حين تصبح التجربة أغلى من العمر

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في الغلوم السياسية والدبلوماسية

اعتاد الناس أن يربطوا الحكمة بكثرة السنوات، وأن يعتبروا أن التقدم في العمر يعني بالضرورة امتلاك التجربة. لكن الحياة تعلمنا كل يوم أن الزمن وحده لا يصنع الخبرة، وأن السنوات قد تمر على الإنسان دون أن تضيف إليه شيئا، بينما قد تمنح تجربة واحدة لشخص آخر من النضج ما لا تمنحه عقود من العمر.

فالعمر هبة من الله، أما التجربة فهي ثمرة ما يعيشه الإنسان، وما يتعلمه من نجاحاته وإخفاقاته، ومن قدرته على مراجعة نفسه واستخلاص الدروس من كل محطة يمر بها.

كم من شاب يمتلك من الوعي والحكمة ما يجعله قادرا على اتخاذ قرارات متزنة، لأنه لم يكتف بالعيش، بل حرص على التعلم، والاستماع، والانفتاح على تجارب الآخرين. وفي المقابل، كم من شخص تقدم به العمر، لكنه ظل أسير الأفكار نفسها، يكرر الأخطاء نفسها، ويرفض الاعتراف بأن الحياة تتغير وأن التعلم لا يتوقف عند سن معينة.

ولذلك، فإن احترام من هم أكبر منا سنا يبقى قيمة راسخة لا نقاش فيها، لكن هذا الاحترام لا ينبغي أن يمنعنا من الاعتراف بأن الكفاءة والخبرة لا تقاسان بتاريخ الميلاد، بل بما يقدمه الإنسان من عطاء، وبقدرته على تحمل المسؤولية، وبما يتركه من أثر.

وفي مؤسساتنا، كما في حياتنا العامة، نحن في حاجة إلى أن نجعل التجربة قيمة مضافة، لا وسيلة لاحتكار المواقع. فالتجربة الحقيقية هي التي تفتح الطريق أمام الأجيال الجديدة، وتنقل إليها المعرفة، وتمنحها الثقة، لا تلك التي تعتبر الشباب منافسا يجب إبعاده.

كما أن الشباب مطالبون بدورهم بأن يدركوا أن الحماس وحده لا يكفي. فالتجديد لا يعني القطيعة مع الخبرة، كما أن الخبرة لا تعني الوقوف في وجه التجديد. والأمم التي نجحت هي التي جعلت من حيوية الشباب وحكمة أصحاب التجربة قوة واحدة، لا معسكرين متقابلين.

لقد علمتنا الحياة أن الإنسان الذي يتوقف عن التعلم، يتوقف عن النمو، مهما كان عمره أو منصبه. وأن الذي يظن أنه بلغ النهاية، يكون قد بدأ في التراجع دون أن يشعر. فالحياة مدرسة مفتوحة، وكل يوم يحمل درسا جديدا لمن أراد أن يتعلم.

إن القيمة الحقيقية لأي إنسان لا تكمن في عدد السنوات التي عاشها، بل في عدد الدروس التي فهمها، وعدد القلوب التي أثر فيها، وعدد المواقف التي خرج منها أكثر حكمة وتواضعا.

وفي النهاية، سيظل العمر رقما في بطاقة التعريف، أما التجربة فهي رصيد يبنيه الإنسان بعمله، وتواضعه، واستعداده الدائم للتعلم. فهناك من يزداد عمره كل عام، وهناك من تزداد قيمته كل عام، والفرق بينهما تصنعه التجربة.

فالسن يمنح الإنسان الزمن، أما التجربة فتصنع منه إنسانا يستحق أن يسمع إليه، ويقتدى به، ويترك أثرا يبقى بعد أن تمضي السنوات.