حين يصبح المنصب هوية… تضيع الشخصية
افتتاحية الصباخ
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
هناك من يدخل المنصب وهو يعرف نفسه، وهناك من يخرج منه ولا يعرف من يكون بعد أن فقده. والفرق بين الاثنين كبير. فالأول كان يرى في المسؤولية وسيلة لخدمة الناس، أما الثاني فقد جعل منها هويته الوحيدة، حتى أصبح وجوده مرتبطا بالكرسي أكثر من ارتباطه بقيمه أو تاريخه.
إن المنصب، مهما علا شأنه، ليس إلا مرحلة عابرة في حياة الإنسان. يأتي يوم يتقلده، ويأتي يوم يغادره، وتلك سنة الحياة. أما الشخصية الحقيقية، فهي التي تبقى ثابتة قبل المنصب وأثناءه وبعده، لأنها بنيت على الأخلاق، والكفاءة، والاحترام، لا على السلطة والنفوذ.
ولعل من أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان أن يعتقد أن الناس تحترمه لأنه يشغل منصبا، لا لأنه يستحق ذلك الاحترام. فيختلط عليه الأمر، ويظن أن التقدير الذي يلقاه هو لشخصه، بينما يكون في كثير من الأحيان تقديرا للموقع الذي يشغله. وما إن يغادره حتى يكتشف أن العلاقات التي بناها كانت مرتبطة بالكرسي أكثر من ارتباطها به.
وفي المقابل، هناك أشخاص لا يحتاجون إلى منصب حتى يحظوا بالتقدير. أينما وجدوا، تركوا أثرا طيبا، لأنهم حملوا معهم تواضعهم، ونزاهتهم، وصدقهم. فإذا تولوا مسؤولية ازدادوا قربا من الناس، وإذا غادروها بقيت مكانتهم محفوظة في القلوب، لأنهم لم يجعلوا المنصب أكبر من شخصيتهم.
وفي الحياة العامة، نرى أحيانا من يتحول همه الأول إلى المحافظة على موقعه، حتى وإن كان ذلك على حساب المبادئ أو المصلحة العامة. فينسى أن المناصب لا تدوم، وأن التاريخ لا يتذكر من بقي أطول مدة، بل من أحسن أداء الأمانة وهو فيها.
والأمر لا يقتصر على السياسة أو الإدارة، بل يمتد إلى مختلف مجالات الحياة. فقد نجد مسؤولا في مؤسسة، أو رئيس جمعية، أو مديرا، يعتقد أن الاحترام يفرض بالصفة التي يحملها. بينما الحقيقة أن الاحترام لا يمنحه قرار تعيين، ولا يصنعه لقب، بل يبنيه السلوك اليومي، والعدل في التعامل، والقدرة على الإنصات، والوفاء بالالتزامات.
إن الإنسان الذي يبني شخصيته على المنصب يعيش قلقا دائما، لأنه يخشى اليوم الذي يفقد فيه ذلك الموقع. أما الذي يبني شخصيته على القيم، فإنه يظل محترما أينما كان، لأن مكانته لا تستمد من كرسي يجلس عليه، بل من أثر يتركه في حياة الناس.
لقد علمتنا الحياة أن الكراسي تتغير، والوجوه تتبدل، لكن المبادئ تبقى. وأن الذين يرحلون عن مواقعهم وقد تركوا مؤسسات أقوى، وقلوبا أكثر محبة، وسمعة طيبة، هم الذين انتصروا في الامتحان الحقيقي للمسؤولية.
وفي النهاية، لا يسأل التاريخ الإنسان: كم سنة بقيت في المنصب؟ بل يسأله: ماذا فعلت عندما كنت فيه؟ وهل خرجت منه كما دخلته، نظيف اليد، مستقيم الموقف، مرفوع الرأس؟
فالمنصب قد يمنح الإنسان سلطة مؤقتة، لكنه لا يمنحه قيمة دائمة. أما الشخصية، فهي التي تبقى عندما ينتهي كل شيء، وهي الرصيد الحقيقي الذي لا يسقط بانتهاء المسؤولية، ولا يزول بتغير المواقع. فمن جعل المنصب خادما لقيمه، بقي محترما، ومن جعل قيمه خادمة للمنصب، خسرهما معا.