حين يعبر الأطفال إلى سبتة… أي وطن نترك للأجيال؟
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
لم تكن المشاهد التي وثقت وصول عشرات الأشخاص، بينهم شباب وأسر وأطفال، إلى مدينة سبتة المحتلة مجرد حدث عابر يمكن أن يطويه الزمن كما طوى غيره من الوقائع. لقد كان مشهدا مؤلما، يختزل حجم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها جزء من المجتمع المغربي، ويعيد إلى الواجهة أسئلة مؤجلة حول واقع التشغيل، والعدالة الاجتماعية، ومستقبل الشباب.
أن ترى أبا يعبر البحر وهو يحمل طفلته الصغيرة، أو يدفع بها نحو المجهول، ليس مشهدا عاديا. إنه إعلان صامت عن انهيار الثقة في قدرة الواقع على منح الإنسان الحد الأدنى من الأمل. فالأب لا يغامر بحياة ابنته من أجل مغامرة عابرة، بل لأنه اقتنع، أو أُقنع، بأن ما ينتظره خلف البحر أفضل مما يعيشه في وطنه.
إن أخطر ما كشفته هذه الواقعة ليس فقط وجود شباب يحاولون الهجرة، بل ظهور أسر بأكملها وأطفال ضمن هذه المحاولات. فهذا التحول يحمل دلالة عميقة؛ إذ يعكس أن الهجرة لم تعد قرارا فرديا، بل أصبحت بالنسبة إلى بعض الأسر خيارا تفرضه قسوة الواقع، مهما كانت مخاطره.
لقد ظل المغرب، عبر عقود، يواجه ظاهرة الهجرة غير النظامية، لكن ما يثير القلق اليوم هو اتساع الشعور لدى كثير من الشباب بأن المستقبل أصبح خارج حدود الوطن. ويزداد هذا الإحساس مرارة عندما يكون من بين الراغبين في الرحيل خريجو جامعات ومعاهد عليا، استثمروا سنوات من أعمارهم في الدراسة والتكوين، ثم وجدوا أنفسهم أمام بطالة طويلة، وفرص شغل محدودة، وارتفاع في تكاليف المعيشة، وصعوبة في تحقيق الاستقرار.
ومن الطبيعي أن تثير هذه المشاهد نقاشا سياسيا حول حصيلة السياسات العمومية خلال السنوات الأخيرة. ويرى منتقدون للحكومة أن ما وقع يعكس إخفاقا في معالجة ملفات التشغيل، وتحسين القدرة الشرائية، والحد من الفوارق الاجتماعية، وهي ملفات كانت في صلب الوعود التي رافقت وصول الأغلبية الحكومية الحالية إلى السلطة. وبالنسبة لهؤلاء، فإن استمرار هذه التحديات أسهم في تعميق الإحباط لدى فئات واسعة، ودفع بعض الشباب إلى اعتبار الهجرة، مهما كانت خطورتها، مخرجا من واقع يفتقدون فيه الأفق.
وبغض النظر عن اختلاف التقييمات السياسية، فإن المؤكد أن هذه المشاهد تستدعي مراجعة جادة للسياسات الموجهة إلى الشباب. فلا يمكن اختزال الظاهرة في بعدها الأمني، ولا الاكتفاء بتشديد المراقبة على الحدود، لأن معالجة النتائج دون معالجة الأسباب لن توقف تكرار المآسي.
إن الدول تقاس بقدرتها على الاحتفاظ بكفاءاتها، وبقدرتها على إقناع شبابها بأن المستقبل يمكن أن يصنع داخل الوطن، لا خارجه. وعندما يصبح البحر، بما يحمله من مخاطر، أقل رهبة من البقاء، فإن ذلك ينبغي أن يقرأ بوصفه رسالة اجتماعية وسياسية تستحق الإنصات، لا مجرد حادث عابر.
اليوم، لا يحتاج المغرب إلى تبادل الاتهامات بقدر ما يحتاج إلى مصارحة وطنية حول أسباب فقدان الأمل لدى جزء من شبابه، وإلى سياسات أكثر فعالية في مجالات التشغيل، والتعليم، والاستثمار، والعدالة الاجتماعية. فالأوطان لا تبنى بالشعارات، بل بإتاحة الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسساته.
ويبقى المشهد الأكثر إيلاما هو مشهد الأطفال الذين وجدوا أنفسهم في قلب هذه المغامرة. فمكان الطفل الطبيعي ليس على حدود، ولا في رحلة محفوفة بالمخاطر، بل في مدرسة توفر له المعرفة، وبيت يمنحه الأمان، ووطن يفتح أمامه أبواب المستقبل.
إن صور سبتة ليست مجرد صور للهجرة، بل هي مرآة تعكس أسئلة كبرى حول التنمية، والكرامة، والعدالة، والثقة في المستقبل. وإذا لم تتحول هذه الأسئلة إلى موضوع نقاش ومسؤولية جماعية، فإن الخوف ليس من تكرار المشهد، بل من أن يصبح مشهدا مألوفا.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرا في أذهان الجميع هو: كيف نجعل شباب هذا الوطن يؤمنون بأن مستقبلهم يبدأ من المغرب، لا من الضفة الأخرى؟

