حين يتحول البحر إلى استفتاء على السياسات العمومية
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
ليست الهجرة غير النظامية، في علم السياسة، مجرد حركة انتقال غير قانونية للأشخاص، وإنما تعد من أهم المؤشرات التي تقيس بها الدول مدى نجاعة سياساتها العمومية، وقدرتها على إنتاج الأمل داخل المجتمع. فحين يقرر مواطن أن يضع حياته وحياة أطفاله في مواجهة البحر، فإن الأمر يتجاوز كونه مخالفة للقانون، ليصبح تعبيرا عن اختلال في العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الحقوق الدستورية والواقع الاجتماعي.
وما شهدته مدينة سبتة المحتلة خلال الأيام الأخيرة، من محاولات جماعية للهجرة شاركت فيها أسر كاملة وأطفال، لا يمكن اختزاله في حادث ظرفي، ولا في نجاح أو فشل أمني. فهذه المشاهد تحمل في طياتها رسالة سياسية واجتماعية عميقة، مفادها أن جزءا من المجتمع أصبح يرى في المجهول أملا، وفي الوطن فضاء تتراجع فيه فرص تحقيق الكرامة الاقتصادية والاجتماعية.
إن أخطر ما في هذه الصور أنها لا تعكس فقط رغبة في الهجرة، بل تعكس أزمة ثقة. فالدولة الحديثة لا تقوم فقط على احتكار السلطة أو حماية الحدود، بل تقوم، قبل كل شيء، على قدرتها على إقناع مواطنيها بأن المستقبل يمكن أن يبنى داخل الوطن. وعندما يصبح البحر، بكل مخاطره، أقل رهبة من البقاء، فإننا نكون أمام مؤشر يستوجب التوقف والتحليل، لا الاكتفاء بالإدانة أو التبرير.
ومن منظور السياسات العمومية، فإن هذه الظاهرة تفرض إعادة تقييم حقيقية لفعالية البرامج الموجهة إلى الشباب. فالدستور المغربي لم يجعل الحق في الشغل، والعيش الكريم، والعدالة الاجتماعية مجرد شعارات سياسية، بل اعتبرها التزامات دستورية تقع على عاتق مختلف المؤسسات. ولذلك، فإن استمرار البطالة، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتراجع الثقة في إمكانية الارتقاء الاجتماعي، ليست مجرد معطيات اقتصادية، بل هي إشكالات تمس جوهر العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه الدولة.
ولا يتعلق الأمر هنا بتوجيه الاتهام إلى حكومة بعينها بقدر ما يتعلق بطرح سؤال أكبر: إلى أي حد استطاعت السياسات العمومية أن تحقق الغاية التي وجدت من أجلها؟ فنجاح أي سياسة لا يقاس بعدد البرامج التي أطلقت، ولا بحجم الاعتمادات التي رصدت، وإنما بقدرتها على تحسين حياة المواطنين، وتقليص الإحساس بالإقصاء، وخلق أفق حقيقي للأجيال الصاعدة.
كما أن هذه المشاهد تضعنا أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية في آن واحد. فاختزال الظاهرة في بعدها الأمني، أو التعامل معها باعتبارها مجرد خرق للقانون، يعني تجاهل الأسباب البنيوية التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم. فالأمن يحمي الحدود، لكنه لا يصنع الأمل، والأمل لا تصنعه الخطابات، بل تصنعه المدرسة الجيدة، وفرصة الشغل، والإدارة المنصفة، والعدالة الاجتماعية، والشعور بأن الجهد يقود إلى الاستحقاق.
لقد أثبتت التجارب المقارنة أن الدول التي نجحت في الحد من الهجرة غير النظامية لم تنجح فقط عبر تشديد المراقبة، وإنما عبر بناء اقتصاد قادر على استيعاب الشباب، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحويل المواطنة من مجرد انتماء قانوني إلى شعور حقيقي بالانتماء إلى مشروع وطني يمنح الجميع فرصة عادلة.
إن صور سبتة ليست أزمة حدود، بل أزمة أسئلة. أسئلة حول التنمية، وحول العدالة المجالية، وحول فعالية السياسات العمومية، وحول قدرة الدولة والمجتمع معا على استعادة ثقة الشباب في وطنهم.
فالدول لا تفقد أبناءها عندما يعبرون الحدود فقط، بل تبدأ في فقدانهم يوم يفقدون الإيمان بأن مستقبلهم يمكن أن يصنع داخل وطنهم. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس كيف نمنع الشباب من عبور البحر، وإنما كيف نجعلهم يختارون البقاء، لأنهم وجدوا في وطنهم ما يستحق أن يعيشوا من أجله.