دراسة تدعو لنظام ضريبي خاص بالجمعيات وإعادة النظر في الدعم العمومي
دعت دراسة حديثة للمعهد المغربي لتحليل السياسات إلى إصلاح شامل للنظام الضريبي في جانبه المتعلق بجمعيات المجتمع المدني من خلال مأسسة نظام ضريبي مستقل يستوعب خصوصية العمل الجمعوي ووضع إطار جبائي تحفيزي يراعي الطابع غير الربحي للجمعيات، بإقرار إعفاءات من الضريبة، داعيةً إلى إعادة النظر في معايير الدعم العمومي لتشمل وجوباً تغطية مصاريف التسيير والأجور لضمان استدامة الوظائف.
وأوضحت الدراسة المعنونة بـ”الجمعيات في مواجهة الضغط الضريبي: ثلاثة مسارات للإصلاح”، لصاحبها الباحث سفيان الكمري، أنه يتعين على السلطات الحكومية وضع إطار ضريبي تحفيزي يراعي الخصوصية غير الربحية للجمعيات، من خلال إقرار إعفاءات من الضريبة على الدخل للجمعيات التي لا يتجاوز عدد أجرائها حداً قانونياً معيناً، وذلك بسبب حالة الهشاشة المالية البنيوية التي تطبع أغلب المنظمات في الوقت الراهن، مبرزةً أن بنيات الجمعيات المادية والتدبيرية تفتقر للقدرة على استيعاب كلفة التشغيل الدائم والشامل.
وفي مستوى ثانٍ، دعت الدراسة، التي اطلعت عليها جريدة “مدار21” الإلكترونية، إلى إعادة النظر في معايير الدعم العمومي لتشمل وجوباً تغطية مصاريف التسيير والأجور لضمان استدامة الوظائف؛ وذلك في تلازم تام مع مأسسة الحقوق الاجتماعية للأجراء والتصريح الإجباري بهم لدى صناديق الضمان الاجتماعي، معتبرةً أن هذه الطريقة ستضمن التوازن بين تخفيف العبء المالي عن الجمعيات وصون كرامة العاملين الجمعويين.
عبء ضريبي على الجمعيات
وسجلت الورقة البحثية أنه رغم تكريس الظهير المنظم للحق في تأسيس الجمعيات (1958) للطابع اللاربحي، فإن الجمعيات تخضع للضريبة على الشركات بموجب المادة 2 (الفقرة 3) من المدونة العامة للضرائب، تأسيساً على”المعيار المادي” الذي يتبناه المشرع لضمان عدم التهرب الضريبي، مبرزةً أن الإعفاء يظل رهيناً بإثبات الصفة غير الربحية عبر ثلاثة محددات تراكمية: التدبير غير التجاري، غياب المنافسة للقطاع الخاص، واختلاف شروط المزاولة عن منطق المقاولة (المنتوج، المستهلك، السعر، الإشهار).
ومع ذلك، تشير الدراسة إلى أن إثبات هاته العناصر يبقى معقدا على المستوى العملي، ومن مثل ذلك صعوبة تحديد وقياس مفهوم التدبير غير التجاري والفصل من خلاله بين الفائض الذي تحققه الجمعية لإعادة استثماره في أهدافها، وبين الربح الذي يمنع القانون إعادة توزيعه بين أعضائها، ونفس الأمر ينطبق على مفهوم المنافسة.
وسجل المصر عينه أن هذه الصعوبات العملية تمنح للإدارة الضريبية، في ظل غياب مؤشرات واضحة، سلطات تقديرية واسعة لتقرير تحقق الشروط المذكورة أو انتفائها، مشددةً على أن هذا الوضع، ينتج “هشاشة مؤسساتية” بالنسبة للجمعيات، بحيث تصبح مبادراتها ومشاريعها في قبضة “تأويل” الإدارة الضريبية، مما يهدد استقرار الحياة الجمعوية نتيجة المراجعات الضريبية التي قد تحدث أحيانا بشكل فجائي.
ولا يقتصر العبء الضريبي بالنسبة للفاعل الجمعوي في المغرب، وفق الدراسة، على الضريبة على الشركات، بل يمتد ليشمل أشكال امتثال أخرى من الضرائب الخفية على المجتمع المدني، وتأتي الضريبة على القيمة المضافة كأبرز تمظهرات هذا العبء، لافتةً إلى أنه حين تُعامل الجمعية كـ”مستهلك نهائي” وتُحرم من آلية استرجاع الضريبة كالمقاولات، تتحول الضريبة على القيمة المضافة إلى كلفة أخرى تُقتطع مباشرة من ميزانيات البرامج التنموية.
3 مسارات للإصلاح
وفي باب مسارات إصلاح المنظومة الضريبية الخاصة بالجمعيات، أوضحت الدراسة أنخ يمكن استشراف مستقبل الإصلاح وفق ثلاث مسارات متداخلة، لافتةً إلى أنه يبرز المسار الأول في “الإصلاح الشامل” الذي يطمح لمأسسة نظام ضريبي مستقل يستوعب خصوصية العمل الجمعوي، وهو مسار يظل رهيناً بظهور قيادة سياسية ومدنية قوية (ائتلافات جمعوية وازنة وأحزاب تتبنى الملف في المؤسسة البرلمانية) تتجاوز محدودية الديناميات الحالية.
وتتمثل الأداة القانونية لهذا المسار، وفق المصدر عينه، في تعديل تشريعي شامل للمدونة العامة للضرائب بالبرلمان، تحت إشراف وزارة الاقتصاد والمالية بالتنسيق مع السلطة الحكومية المكلفة بالعلاقات مع المجتمع المدني، على أن يُقاس أثر ذلك بمؤشر نسبة إسهام القطاع الجمعوي في الناتج الداخلي الخام.
أما المسار الثاني، فقد وصفته الدراسة بـ”الأكثر حظاً” وهو “إصلاح جزئي تراكمي، مشيرةً إلى أنه يتبنى براغماتية واقعية تنهض على التفاوض بخصوص ملفات فئوية محددة (كالإعفاء من الضريبة على الدخل للأجراء)، محولاً إياها إلى مكتسبات مرحلية تكسر حدة الجمود، وتتحدد أداتها القانونية من خلال استدامة إدراج تدابير تحفيزية ضمن قوانين المالية السنوية وتفعيل نصوص تنظيمية، تحت مسؤولية القطاع المكلف بالاقتصاد والمالية والوزارات المعنية بالقطاعات الاجتماعية (التعليم، الصحة، الشغل…)، على أن يُقاس أثرها بمؤشر عدد الجمعيات الصغرى والمتوسطة المصرحة بالأجراء والمستفيدة فعلياً من الإعفاء من الضريبة على الدخل.
وبخصوص المسار الثالث، أوردت الدراسة أنه يتمثل في “استدامة الوضع القائم”، مؤكدةً أنه بالإضافة إلى كونه يكرس العقم الإصلاحي، فإنه أيضا يبقى مساراً مثيرا للقلق؛ إذ ستجد الحكومة نفسها مدفوعة بضرورة الحفاظ على انسجام خطابها السياسي لتقديم تنازلات إصلاحية (ولو دنيا) لتفادي تلاشي القطاع الجمعوي.