حين يصبح الولاء للأشخاص… أخطر من الولاء للمبادئ
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
من أخطر التحولات التي قد تصيب أي مجتمع أو مؤسسة أو تنظيم سياسي، أن ينتقل الولاء من المبادئ إلى الأشخاص، ومن القيم إلى الأفراد، ومن المؤسسات إلى الزعامات. فحين يحدث ذلك، لا يعود النقاش يدور حول ما هو صواب أو خطأ، بل حول من قال، ومن فعل، ومن ينتمي إلى أي معسكر.
في الفكر السياسي الحديث، تقوم الدولة على مبدأ بسيط لكنه جوهري: الأشخاص يمرون، أما المؤسسات فتبقى. ولهذا لم تبن الديمقراطيات الحديثة على تقديس الأشخاص، مهما بلغت مكانتهم، وإنما على احترام الدستور، وسيادة القانون، واستقلال المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
غير أن الممارسة السياسية في كثير من الأحيان تكشف واقعا مختلفا. فهناك من يقيس المواقف بميزان الأشخاص، لا بميزان المبادئ. فإن كان القرار صادرا عن من يؤيده، اعتبره صائبا مهما كانت نتائجه، وإن صدر عن خصمه، رفضه حتى وإن كان يخدم المصلحة العامة. وهنا يفقد النقاش السياسي معناه، ويتحول إلى صراع ولاءات، بدل أن يكون تنافسا في خدمة الوطن.
إن الولاء للمبادئ لا يعني معاداة الأشخاص، كما أن احترام القيادات لا يعني تعطيل العقل أو تعليق النقد. فالقائد الحقيقي هو الذي يقبل أن يناقش، وأن يصحح، وأن يخضع للمساءلة، لأنه يدرك أن قوة مسؤولية، وليست امتيازا يمنحه حصانة من الخطأ.
ومن منظور القانون الدستوري، فإن الشرعية لا تستمد من الأشخاص، بل من المؤسسات التي تمنحهم صلاحياتهم، وتحدد حدود اختصاصاتهم. ولذلك، فإن قوة الدولة تقاس بقدرتها على الاستمرار مهما تغيرت الحكومات، وتبدلت الأغلبية، وتعاقبت القيادات. أما إذا أصبحت المؤسسات مرتبطة بأشخاص بعينهم، فإنها تفقد جزءا من قوتها، لأن بقاءها يصبح مرهونا ببقائهم.
ولعل من أبرز أسباب تعثر كثير من التجارب السياسية في العالم، أنها حولت السياسة إلى ولاءات شخصية، لا إلى مشاريع مجتمعية. فأصبح الانتماء للأشخاص مقدما على الانتماء للوطن، وأصبح الدفاع عن الزعيم أهم من الدفاع عن القانون، وغابت الكفاءة أمام منطق القرب، وضاعت المصلحة العامة وسط الحسابات الضيقة.
ولا يقتصر هذا الأمر على السياسة وحدها، بل يمتد إلى الإدارة، والجمعيات، والمؤسسات الاقتصادية، وحتى العلاقات الاجتماعية. فعندما يصبح الولاء للشخص معيارا للترقية، أو للتقدير، أو لاتخاذ القرار، فإن الكفاءة تتراجع، ويشعر أصحاب الاستحقاق بأن الاجتهاد لم يعد الطريق إلى النجاح.
إن الدول التي حققت نهضتها لم تفعل ذلك لأنها امتلكت أشخاصا استثنائيين فقط، بل لأنها نجحت في بناء مؤسسات أقوى من الأفراد. فالمسؤول يغادر، لكن المؤسسة تستمر. والحكومة تتغير، لكن الدولة لا تتوقف. وهذا هو جوهر الدولة الحديثة، التي تجعل القانون فوق الجميع، وتجعل المصلحة العامة المرجعية الوحيدة لكل قرار.
وفي العلاقات الدولية أيضا، لا تبنى الشراكات على الأشخاص، وإنما على المصالح الاستراتيجية واستمرارية الدولة. فالدول تحترم الدول التي تمتلك مؤسسات مستقرة، لا تلك التي تتغير سياساتها بتغير الأشخاص.
إن المجتمعات التي تربط مستقبلها بالأفراد، تعيش القلق مع كل تغيير. أما المجتمعات التي تبني مستقبلها على المؤسسات، فإنها تنظر إلى التداول باعتباره دليلا على قوة الدولة، لا على ضعفها.
ولذلك، فإن أكبر خدمة يمكن أن نقدمها لأوطاننا، ليست في الدفاع عن الأشخاص، وإنما في الدفاع عن المبادئ التي تحمي الجميع. لأن الأشخاص، مهما بلغت مكانتهم، يخطئون ويصيبون، أما المبادئ فهي البوصلة التي تمنع الدولة من الانحراف، وتحفظ للمؤسسات هيبتها، وللمواطن ثقته.
وفي النهاية، لا تقاس قوة الدول بعدد الزعماء الذين مروا منها، بل بقدرتها على بناء مؤسسات تبقى بعدهم. فالولاء للأشخاص قد يصنع أتباعا، لكنه لا يصنع دولة. أما الولاء للمبادئ، فهو الذي يصنع دولة قوية، عادلة، ومستقرة، قادرة على الاستمرار مهما تغيرت الوجوه وتعاقبت الأجيال.