بين الحق في الطموح… وواجب الاستحقاق
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
الطموح حق مشروع، بل هو المحرك الأساسي لكل تقدم فردي أو جماعي. فلا يمكن تصور مجتمع يتطور دون أفراد يحلمون بمواقع أفضل، أو يسعون إلى تحمل مسؤوليات أكبر. غير أن الطموح، مهما كانت مشروعيته، لا يمكن أن يكون بديلا عن الاستحقاق، لأن الدول لا تبنى بالرغبات، وإنما بالكفاءة، والخبرة، والقدرة على تحمل المسؤولية.
لقد أصبحنا نعيش زمنا يختلط فيه أحيانا الحق في الطموح بالاعتقاد بأن مجرد الرغبة تكفي للوصول. فأصبح البعض يرى أن المنصب حق مكتسب، لا مسؤولية تستوجب الإعداد والتدرج وإثبات الجدارة. وهنا يبدأ الخلل، لأن الطموح عندما ينفصل عن الاستحقاق يتحول إلى مصدر للإحباط، وإلى سبب في إضعاف المؤسسات.
في الفكر السياسي، تقوم الدولة الحديثة على مبدأ تكافؤ الفرص، لكنه يقترن دائما بمبدأ الاستحقاق. فتكافؤ الفرص يضمن أن يكون الباب مفتوحا أمام الجميع، أما الاستحقاق فهو الذي يحدد من هو الأقدر على تحمل المسؤولية. وبدون هذا التوازن، تتحول المنافسة إلى صراع على المواقع، بدل أن تكون تنافسا في خدمة الصالح العام.
إن المسؤولية ليست جائزة تمنح لإرضاء الأشخاص، ولا مكافأة على الولاءات، ولا نتيجة لضغط الواقع، وإنما هي تكليف يرتبط بالكفاءة والنزاهة والقدرة على اتخاذ القرار. ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة هو أن يصبح معيار التعيين هو القرب، لا الكفاءة، أو الولاء، لا الاستحقاق.
ومن منظور القانون الدستوري، فإن ربط المسؤولية بالمحاسبة يفترض، قبل كل شيء، أن تمنح المسؤولية لمن يستحقها. فلا معنى للمحاسبة إذا كانت معايير الاختيار نفسها لا تقوم على الكفاءة. لأن أول ضمانة لنجاح أي سياسة عمومية هي حسن اختيار من يتولى تنفيذها.
ولا يقتصر هذا الأمر على السياسة أو الإدارة، بل يمتد إلى مختلف مجالات الحياة. ففي الجامعة، وفي المقاولة، وفي الجمعيات، وحتى داخل الأسرة، لا يكفي أن يطمح الإنسان إلى موقع معين، بل عليه أن يهيئ نفسه له، وأن يكتسب من المعرفة والخبرة والأخلاق ما يجعله جديرا به.
لقد علمتنا التجارب أن المؤسسات التي تقدم الكفاءة على كل اعتبار هي الأكثر استقرارا ونجاحا. أما تلك التي تغلب منطق العلاقات أو الحسابات الضيقة، فإنها قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها تدفع ثمن ذلك على المدى البعيد، حين تتراجع الفعالية، وتضعف الثقة، ويغيب الإحساس بالعدالة.
ولا يعني الدفاع عن الاستحقاق إغلاق الباب أمام الشباب أو الطاقات الجديدة، بل على العكس، فالاستحقاق هو الضمانة الحقيقية أمام كل شاب مجتهد بأن يصل بعمله، لا بانتمائه، وبكفاءته، لا بعلاقاته. ولذلك، فإن المجتمعات التي تؤمن بالاستحقاق هي المجتمعات التي تمنح الأمل، لأنها تجعل النجاح نتيجة طبيعية للجهد.
إن الطموح قيمة نبيلة عندما يكون دافعا للتعلم، والعمل، والتطوير المستمر. لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى استعجال للمناصب قبل استكمال شروطها، أو إلى اعتقاد بأن الرغبة وحدها تكفي لقيادة المؤسسات.
وفي النهاية، لا أحد يلوم الإنسان على طموحه، بل يحييه عليه. لكن الطموح الحقيقي لا يختصر الطريق، ولا يقفز على المراحل، ولا يبحث عن المناصب قبل أن يبني نفسه. فالحق في الطموح مكفول للجميع، أما شرف تحمل المسؤولية فلا ينبغي أن يمنح إلا لمن أثبت أنه أهل لها. فالأوطان لا تنهض بكثرة الطامحين، وإنما تنهض بكثرة المستحقين.