الفرق بين رجل الدولة… ورجل المنصب
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
في التاريخ السياسي للأمم، لا تقاس قيمة المسؤول بعدد السنوات التي قضاها في المنصب، ولا بحجم السلطة التي امتلكها، وإنما بما يتركه من أثر في الدولة، وبما يضيفه إلى مؤسساتها، وبما يرسخه من قيم تجعل الوطن أقوى بعد رحيله مما كان عليه قبل توليه المسؤولية.
ولهذا، ظل الفكر السياسي يميز بين مفهومين قد يبدوان متشابهين، لكنهما في الحقيقة متباعدان: رجل الدولة و رجل المنصب.
فرجل المنصب يرى المسؤولية نهاية الطريق، بينما يراها رجل الدولة بداية التكليف. الأول ينشغل بكيفية الوصول، والثاني يفكر فيما سيقدمه بعد الوصول. الأول يقيس نجاحه بما يملكه من نفوذ، أما الثاني فيقيس نجاحه بما يحققه للوطن من إنجازات.
ورجل الدولة لا يبحث عن الشعبية السريعة، لأنه يدرك أن القرارات الكبرى لا تصنع دائما التصفيق، لكنها تصنع المستقبل. أما رجل المنصب، فيجعل همه إرضاء اللحظة، ولو كان الثمن هو إضعاف المؤسسات أو تأجيل الإصلاحات الضرورية.
ومن منظور العلوم السياسية، فإن قوة الدول لا ترتبط بوجود شخصيات كاريزمية فقط، بل بوجود رجال ونساء يؤمنون بأن الدولة أكبر من الأشخاص، وأن المؤسسات يجب أن تبقى أقوى من كل المسؤولين الذين يتعاقبون عليها. فالدولة التي ترتبط بمسؤول واحد، تضعف برحيله، أما الدولة التي تبني مؤسسات قوية، فإنها تستمر مهما تغيرت الوجوه.
ورجل الدولة لا ينظر إلى المعارضة باعتبارها عدوا، ولا إلى النقد باعتباره إساءة، بل يعتبرهما جزءا من الحياة الديمقراطية، وفرصة لتصحيح الاختلالات وتحسين الأداء. لأنه يدرك أن الشرعية السياسية لا تكتمل بالفوز في الانتخابات فقط، بل تتجدد كل يوم من خلال حسن التدبير، والقدرة على الإنصات، والجرأة في تحمل المسؤولية.
أما رجل المنصب، فإنه ينشغل غالبا بصناعة الصورة أكثر من صناعة الإنجاز، ويهتم بمن يصفق له أكثر ممن ينبهه إلى أخطائه، ويعتقد أن بقاءه في الموقع هو معيار النجاح، بينما الحقيقة أن التاريخ لا يحتفظ إلا بمن خدم الأوطان، لا بمن تشبث بالكراسي.
وفي القانون الدستوري، لا تمنح المناصب امتيازا شخصيا، بل تمنح سلطة مقيدة بالدستور والقانون، وتخضع للمساءلة والمحاسبة. ولذلك، فإن المسؤول الذي يعتقد أن المنصب ملكية خاصة، يبتعد عن جوهر الدولة الحديثة، التي تجعل السلطة وظيفة لخدمة المصلحة العامة، لا وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة أو الحزبية.
لقد أثبتت التجارب أن الأوطان لا تتعثر بسبب قلة الإمكانيات فقط، بل أحيانا بسبب غياب رجال الدولة. فكم من دولة امتلكت الثروات لكنها افتقدت القيادة الحكيمة، وكم من دولة كانت إمكانياتها محدودة لكنها امتلكت مسؤولين جعلوا من حسن التدبير أكبر رأسمال لها.
ورجل الدولة لا يفكر في الانتخابات المقبلة فقط، بل يفكر في الجيل المقبل. يخطط لعشر سنوات، وربما لعقود، لأنه يعلم أن بناء الدول لا يتم بمنطق الولاية الانتخابية، وإنما بمنطق الرؤية الاستراتيجية. ولذلك، فإن أعظم الإنجازات في تاريخ الأمم لم تكن وليدة قرارات شعبوية، بل ثمرة قادة امتلكوا شجاعة اتخاذ القرار، حتى عندما كان مكلفا سياسيا.
وفي المقابل، يظل رجل المنصب أسير الحسابات الضيقة، يخشى اتخاذ القرار إذا كان سيكلفه جزءا من شعبيته، ويؤجل الإصلاح إذا كان قد يثير الجدل، فيتحول تدبيره إلى إدارة للوقت، لا إلى صناعة للمستقبل.
إن المجتمعات التي تريد بناء دولة قوية، لا تحتاج فقط إلى مسؤولين يشغلون المناصب، بل إلى رجال دولة يحملون رؤية، ويؤمنون بأن المناصب زائلة، بينما الأوطان باقية. فالمسؤول الحقيقي لا يسأل نفسه: كم سأبقى في المنصب؟ بل يسأل: ماذا سيبقى من عملي بعد أن أغادره؟
وفي النهاية، لا يخلد التاريخ أسماء الذين جلسوا على الكراسي، بل يخلد أسماء الذين جعلوا الكرسي وسيلة لخدمة الوطن. فالمنصب يمنح السلطة، أما رجل الدولة فيمنح الأمل، ويبني المؤسسات، ويترك إرثا تتحدث عنه الأجيال. وتلك هي المسافة الفاصلة بين من مروا على الدولة، ومن صنعوا تاريخها.