حين تفقد المؤسسات ثقة المواطن… لا تكفي القوانين
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
ليست قوة الدولة في عدد القوانين التي تصدرها، ولا في كثرة المؤسسات التي تنشئها، ولا في حجم الخطابات التي تتحدث عن الإصلاح والحكامة. فالدولة، في جوهرها السياسي والدستوري، تصبح قوية عندما يشعر المواطن بأن المؤسسات التي تمثله تعمل من أجله، وأن القانون يحميه، وأن صوته مسموع، وأن حقوقه لا تتوقف على موقعه الاجتماعي أو علاقاته أو قدرته على الوصول إلى أصحاب القرار.
ومن هنا تبدأ واحدة من أكثر القضايا حساسية في الدولة الحديثة: الثقة في المؤسسات.
فقد تمتلك الدولة دستورا متقدما، ونصوصا قانونية دقيقة، ومؤسسات منتخبة، وأجهزة رقابية وقضائية، ومع ذلك يبقى المواطن بعيدا نفسيا عن هذه المؤسسات إذا لم يلمس أثرها في حياته اليومية. لأن الشرعية القانونية، مهما كانت أهميتها، لا تكفي وحدها لصناعة شرعية سياسية واجتماعية مستدامة.
في العلوم السياسية، لا تقاس شرعية المؤسسات فقط بمصدرها الدستوري أو الانتخابي، وإنما أيضا بقدرتها على إنتاج الثقة. فالمواطن لا يسأل دائما عن النص الذي ينظم المؤسسة، بل يسأل سؤالا أكثر بساطة وعمقا: ماذا قدمت لي هذه المؤسسة؟ وهل أشعر أنها تعاملني بعدالة؟
وهنا يظهر الفرق بين الشرعية القانونية والشرعية الإنجازية. الأولى تمنح المؤسسة أساس وجودها وممارستها لاختصاصاتها، بينما الثانية تتشكل من خلال الأداء والنتائج وقدرة المؤسسات على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة ليس انتقاد مؤسسة أو مسؤول، وإنما أن يصل المواطن إلى مرحلة لا يعود فيها ينتظر شيئا من المؤسسات أصلا.
فالاحتجاج يمكن أن يكون تعبيرا عن وجود ثقة، لأن المواطن يحتج عندما يعتقد أن صوته يمكن أن يحدث تغييرا. أما اللامبالاة، فهي أكثر خطورة، لأنها تعني أن المواطن بدأ يفقد الإيمان بجدوى المشاركة والتعبير والمطالبة.
إن الديمقراطية لا تختزل في يوم الاقتراع. الانتخابات لحظة أساسية، لكنها ليست نهاية العلاقة بين المواطن والدولة. فبعد الانتخابات تبدأ مرحلة أكثر تعقيدا: مرحلة الوفاء بالوعود، وتدبير الشأن العام، واحترام القانون، والاستماع إلى المجتمع، وتقديم الحساب.
ومن منظور القانون الدستوري، فإن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لا ينبغي أن يبقى مجرد قاعدة دستورية مكتوبة، بل يجب أن يتحول إلى ثقافة سياسية ومؤسساتية. فالمواطن عندما يمنح صوته لمسؤول أو حزب، لا يتنازل عن حقه في مراقبته ومساءلته وانتقاده. والشرعية الانتخابية لا تمنح أي حكومة شيكا على بياض.
بل إن المسؤول الذي يرفض النقد، أو يعتبر مساءلته تشكيكا في الدولة، يخلط بين شخصه والمؤسسة التي يمثلها. وهذه من أخطر مظاهر الخلل في الثقافة السياسية، لأن الدولة أكبر من الحكومة، والمؤسسة أكبر من المسؤول، والدستور أعلى من الجميع.
إن بناء الثقة يحتاج إلى أكثر من القوانين. يحتاج إلى الشفافية، والإنصاف، والنجاعة، والقدرة على الاعتراف بالخطأ، وربط القرار بالمسؤولية. فالمواطن لا ينتظر مؤسسات معصومة من الخطأ، وإنما يريد مؤسسات قادرة على تصحيح أخطائها.
كما أن الثقة لا تبنى بالخطاب وحده. لا يمكن إقناع مواطن يعاني من البطالة بأن الاقتصاد يحقق نجاحا كبيرا إذا لم يجد فرصة للعمل. ولا يمكن إقناع أسرة تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة بأن المؤشرات الاقتصادية وحدها تكفي لقياس رفاه المجتمع. ولا يمكن مطالبة الشباب بالثقة في المستقبل إذا لم يجدوا في الحاضر ما يمنحهم أسبابا لهذه الثقة.
وهنا تبرز مسؤولية النخب السياسية والإدارية، لأن المؤسسات ليست مباني، وإنما هي سلوك وممارسة وثقافة. وقد يكون النص القانوني ممتازا، لكن تطبيقه بشكل غير عادل كفيل بتقويض الثقة في المؤسسة التي تطبقه.
وفي التجارب الديمقراطية المقارنة، أثبتت الأزمات أن الدول التي تمتلك رصيدا مرتفعا من الثقة المؤسساتية تكون أكثر قدرة على مواجهة الصدمات. فالثقة ليست قيمة أخلاقية فقط، وإنما هي أيضا رأسمال سياسي واستراتيجي. وعندما يثق المواطن في مؤسساته، يكون أكثر استعدادا للتعاون معها، واحترام قراراتها، وتحمل تكاليف الإصلاح، حتى عندما تكون هذه الإصلاحات صعبة.
أما عندما تتراجع الثقة، فإن أبسط القرارات يمكن أن تتحول إلى مصدر للتوتر، لأن المواطن يبدأ في تفسير كل قرار من زاوية الشك، وكل إجراء من زاوية الريبة، وكل خطاب باعتباره محاولة للتبرير.
وهنا تصبح مهمة الدولة أصعب بكثير: إذ لا يكفي أن تصدر القرار، بل يصبح عليها أولا أن تقنع المواطن بشرعيته وعدالته وضرورته.
وفي هذا السياق، فإن قوة المؤسسات لا تقاس بقدرتها على إسكات النقد، وإنما بقدرتها على استيعابه. فالمؤسسة القوية ليست التي لا تُنتقد، بل التي تستطيع أن تستمع إلى النقد، وتفصل بين النقد البناء والمزايدة، ثم تحول الملاحظات الصحيحة إلى إصلاحات.
ومن زاوية دبلوماسية، فإن هذه المسألة لا تتوقف عند الحدود الوطنية. فسمعة الدولة في الخارج تبدأ من صورتها في الداخل. فالشركاء الدوليون والمستثمرون والفاعلون الدوليون لا ينظرون فقط إلى الاستقرار السياسي، وإنما يهتمون أيضا بجودة المؤسسات، وسيادة القانون، والشفافية، واستقرار السياسات العمومية.
إن الدولة التي تتمتع بمؤسسات موثوقة تمتلك قوة تفاوضية أكبر، لأن الثقة الداخلية تتحول إلى عنصر من عناصر القوة الناعمة والمصداقية الدولية.
ولهذا، فإن معركة بناء الثقة ليست مسؤولية الحكومة وحدها، وإن كانت تتحمل فيها مسؤولية مركزية. إنها مسؤولية مشتركة بين السلطة والمعارضة، والمؤسسات المنتخبة، والإدارة، والقضاء، والإعلام، والمجتمع المدني، والمواطن نفسه.
لكن البداية يجب أن تكون من المؤسسات التي تمتلك القرار، لأن الثقة لا تُطلب من المواطن بالأوامر، وإنما تُكتسب بالأداء.
وفي النهاية، قد تستطيع الدولة أن تفرض القانون بالقوة، لكنها لا تستطيع أن تفرض الثقة بالقوة. القانون ينظم العلاقة بين المواطن والمؤسسة، أما الثقة فهي التي تمنح هذه العلاقة معناها الحقيقي. وحين يفقد المواطن ثقته في مؤسساته، لا يكون الخطر في فقدان الثقة في مؤسسة بعينها فقط، وإنما في اهتزاز العلاقة نفسها بين المواطن والدولة.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الدولة الحديثة ليس أن تمتلك مؤسسات كثيرة، بل أن تجعل المواطن يؤمن بأن هذه المؤسسات تستحق ثقته. فالقانون يؤسس الدولة، والمؤسسات تديرها، لكن الثقة هي التي تمنحها الاستقرار والاستمرارية.