تشريعيات 2026: من فرجة الحملة إلى لحظة التصويت

0

خديجة الكور — باحثة في علم الاجتماع

لا تقرأ الانتخابات فقط من خلال نتائج صناديق الاقتراع، كما لا تختزل الحملة الانتخابية في عدد المهرجانات الخطابية، وحجم الحضور، وقوة الشعارات، وكثافة الصور المتداولة في شبكات التواصل الاجتماعي. فالانتخابات، في معناها السياسي والسوسيولوجي، لحظة تكشف طبيعة العلاقة التي تربط المجتمع بالسياسة، كما تكشف الأدوات التي تستعملها التنظيمات والمرشحون لاستمالة الناخب، وأشكال الانتماء والتعبئة التي تتحول خلال اللحظة الانتخابية إلى موارد للتأثير.
ومن هذه الزاوية، كشفت الحملة الانتخابية لتشريعيات 2026 عن تعايش أنماط متعددة من السياسة داخل المجتمع المغربي. فهناك سياسة تتحرك في عالم الصورة، والفيديو القصير، والموسيقى، والشعارات والتواصل الرقمي السريع، إلى جانب سياسة أخرى ما تزال تستند إلى القرب الاجتماعي، والعلاقات العائلية والمجالية، والروابط التقليدية، وفي عدد من المجالات القروية إلى الانتماءات القبلية والرمزية المشتركة. لقد تغيرت أدوات التواصل السياسي بشكل كبير، لكن هذا التغير لم يؤد بالضرورة إلى تحول مماثل في طبيعة العلاقة بين السياسي والمواطن. أصبح المرشح أكثر حضوراً على الشاشة، وأكثر قدرة على صناعة الصورة وإنتاج المحتوى، لكنه ظل في كثير من الأحيان أسير منطق قديم: السياسي يتحدث، والمواطن يستمع؛ المرشح يحشد، والناخب يُطلب منه أن يقتنع.
وهنا تكمن إحدى مفارقات هذه الحملة: تطورت وسائل التواصل السياسي بسرعة، لكن منطق التواصل السياسي نفسه لم يتطور بالقدر ذاته. فقد حضرت القضايا الاجتماعية والاقتصادية الكبرى في الخطاب الانتخابي، من التشغيل والقدرة الشرائية إلى الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والاستثمار والتنمية المجالية، غير أن البرامج لم تكن دائماً هي التي تصنع المشهد. دخلت إلى المنافسة عناصر أخرى أصبحت ذات وزن متزايد: شخصية المرشح، قدرته على التعبئة، حضوره الميداني، شبكات علاقاته، صورته الإعلامية، وقدرته على إنتاج خطاب قابل للانتشار.
وهكذا أصبحت الحملة منافسة على الانتباه بقدر ما هي منافسة على الاقتناع. وفي فضاء رقمي تحكمه السرعة وردود الفعل، تصبح الصورة أسرع من البرنامج، والجدل أكثر قابلية للانتشار من المقترح السياسي، والاتهام أكثر إثارة للاهتمام من النقاش حول السياسات العمومية. لذلك لم يكن غريباً أن ينتقل جزء من الخطاب الانتخابي من مواجهة البرامج إلى مواجهة الأشخاص والمسؤوليات والاتهامات.
لكن المرشح لم يعد يخاطب الناخب بالكلمة السياسية وحدها. فقد استعانت الحملة بالموسيقى والأغنية والإيقاع والصورة الجماعية والرموز المحلية ومظاهر الضيافة والاحتفاء، باعتبارها وسائل لبناء القرب وإنتاج الإحساس بالانتماء. فالسياسة هنا لا تُقال فقط، وإنما تُغنّى وتُعرض وتُعاش في شكل جماعي. وليس الإشكال في وجود هذه الأدوات في حد ذاتها، وإنما في اللحظة التي يصبح فيها منطق الإثارة والحضور أقوى من منطق الإقناع، فتتحول الحملة من فضاء لمقارنة المشاريع إلى فضاء للتنافس على الظهور والتأثير والانتشار.
وتكشف الحملة، في الوقت نفسه، عن استمرار تعدد أنماط السياسة داخل المجتمع المغربي. ففي المجال الحضري أصبحت الشاشة والهاتف وشبكات التواصل الاجتماعي جزءاً من المجال الانتخابي، وأصبح المرشح يخاطب ناخباً يتلقى يومياً كماً كبيراً من الرسائل السياسية ويتفاعل معها بسرعة، غالباً من خلال الصورة والمقطع القصير والانفعال. أما في عدد من المجالات القروية، فما تزال السياسة مرتبطة بدرجة أكبر بعلاقات القرب والانتماء والروابط العائلية والمجالية والقبلية، وبشبكات اجتماعية تجعل المرشح شخصاً معروفاً داخل المجال قبل أن يكون مجرد اسم في لائحة انتخابية.
ولعل اللافت أن بعض المرشحين لم يكتفوا باستثمار الخطاب السياسي التقليدي، بل عادوا إلى رموز اجتماعية وثقافية عميقة الجذور في المجتمع القروي، ووظفوها داخل خطابهم الانتخابي. تقاسم الطعام، والجلوس حول مائدة واحدة، واستحضار روابط الدم، والتذكير بالأصل المشترك والانتماء العائلي أو القبلي والمجالي، كلها يمكن أن تتحول من مجرد مظاهر للضيافة والاحتفاء إلى لغة سياسية تقول للناخب، بشكل مباشر أو ضمني: نحن ننتمي إلى المجال نفسه، تجمعنا روابط مشتركة، ولسنا غرباء عن بعضنا البعض.
وهنا تظهر إحدى الدلالات السوسيولوجية المهمة لهذه الحملة: الهاتف الذكي وشبكات التواصل الاجتماعي لم يلغيا أشكال التعبئة التقليدية، بل أعادا إنتاجها في فضاء جديد. فقد تُصنع لحظة جماعية حول الطعام أو الغناء أو الانتماء المحلي، ثم تُصوّر وتُنشر وتُتداول عبر الشبكات الاجتماعية، فتنتقل علاقة اجتماعية محلية إلى فضاء رقمي واسع. وبذلك لا يصبح التقليدي والرقمي نقيضين، وإنما يتحولان إلى أداتين متكاملتين في صناعة المشهد الانتخابي.
فالناخب لا يتحرك دائماً داخل علاقة مجردة مع برنامج سياسي. إنه يتحرك أيضاً داخل شبكة من العلاقات والانتماءات والرموز والمصالح. ولذلك فإن تحديث أدوات الحملة لا يعني بالضرورة اختفاء أشكال التعبئة التقليدية؛ بل إن الحداثة الرقمية قد تمنح هذه الأشكال قدرة جديدة على الظهور والانتشار.
غير أن الحشد لا يعني بالضرورة الاقتناع. امتلاء قاعة، أو نجاح مسيرة، أو كثافة حضور في تجمع انتخابي، لا يمكن اعتباره وحده دليلاً على حجم التأييد السياسي. فهناك فرق بين المناضل والمتعاطف والمشارك بحكم علاقاته الاجتماعية أو المحلية، وبين من يحضر لأسباب ظرفية أو مصلحية. والصورة الجماهيرية، مهما كانت قوية، لا تكشف بالضرورة ما يدور في ذهن الناخب عندما يدخل وحده إلى مكتب التصويت. وبين الجمهور الذي تصنعه الحملة والناخب الذي يقف خلف ستار الاقتراع توجد مسافة لا تستطيع الكاميرا اختصارها.
وهذه المسافة هي تحديداً التي ينبغي أن نستحضرها ونحن نقرأ نهاية الحملة. فقد كان المواطن حاضراً بكثافة في كثير من المشاهد الانتخابية، لكنه لم يكن دائماً شريكاً في إنتاج النقاش. ظل منطق التواصل في المهرجانات الخطابية، في كثير من الأحيان، عمودياً: القيادة تتحدث والجمهور يستمع. وظل المواطن في جانب كبير من الخطاب الانتخابي موضوعاً للرسائل أكثر منه طرفاً في صياغتها. أين أسئلته المباشرة؟ أين مواجهته للسياسيين بالمشكلات التي يعيشها يومياً؟ وأين المساحة التي تجعل الشباب والنساء والمجتمع المدني والمهنيين وسكان المناطق القروية والفاعلين الاقتصاديين والثقافيين شركاء في تقييم البرامج، لا مجرد جمهور لها؟
الديمقراطية لا تكتمل بمجرد إعطاء الكلمة للأحزاب؛ إنها تحتاج أيضاً إلى إعطاء المجتمع القدرة على مساءلة الأحزاب. والتعددية السياسية لا تعني فقط تعدد التنظيمات، وإنما تعني أيضاً تعدد الأصوات الاجتماعية القادرة على مساءلة الخطاب السياسي.
وتكشف قضية المرأة والشباب عن مفارقة أخرى. فالمرأة حاضرة في العملية الانتخابية، وحضورها في اللوائح الانتخابية يعكس تطوراً مؤسساتياً مهماً، لكن حضورها كمرشحة لا يعني بالضرورة أن قضايا النساء أصبحت في قلب النقاش السياسي. فالسؤال ليس فقط كم امرأة تشارك في الانتخابات، وإنما هل تحولت قضايا الاستقلال الاقتصادي للمرأة، والولوج إلى سوق الشغل، والتمثيلية الفعلية في مواقع القرار، والفوارق الاجتماعية والمجالية، إلى قضايا مركزية في التنافس السياسي؟ والأمر نفسه ينطبق على الشباب. تحدثت البرامج عن التشغيل والتكوين والإدماج الاقتصادي، لكن الشباب لم يتحول بالقدر نفسه إلى فاعل يتحدث عن تصوره للمجتمع، وعن علاقته بالمؤسسات، وعن أسباب المسافة التي تفصل جزءاً منه عن السياسة. وهكذا يصبح الشباب موضوعاً انتخابياً أساسياً، من دون أن يصبح دائماً طرفاً أساسياً في النقاش السياسي.
لكن كل هذه الملاحظات، على أهميتها، تظل مرتبطة بزمن الحملة. والحملة، مهما كانت كثافتها، ليست الانتخابات كلها. فهي مرحلة التعبئة والإقناع ومحاولة التأثير. أما اللحظة التي تختزل جوهر العملية الانتخابية فتبدأ عندما تنتهي كل هذه الأصوات.
غداً، ستتوقف المهرجانات الخطابية، وستنتهي الشعارات، وستتراجع الكاميرات، وستنتهي الموسيقى، وستتفرق الجموع، وستبقى كل الصور والوعود والرسائل أمام امتحان واحد: ماذا سيفعل المواطن داخل المعزل الانتخابي؟
هنا تتغير العلاقة بالكامل. طوال الحملة، كان المرشح يطلب ثقة المواطن؛ وعند الاقتراع يصبح المواطن هو صاحب القرار في منح هذه الثقة أو حجبها. طوال الحملة كان السياسي هو المتحدث والمواطن هو المستمع؛ داخل المعزل يصبح المواطن وحده، بعيداً عن الكاميرا والجمهور والضغط الرمزي، أمام ورقة التصويت. وفي تلك اللحظة الصامتة تحديداً تنتقل السلطة من المرشح إلى الناخب.
وهنا تفقد أدوات التعبئة جزءاً كبيراً من قدرتها على تفسير القرار. فلا الأغنية، ولا الصورة، ولا الطعام المشترك، ولا روابط القرابة، ولا الانتماء المحلي أو القبلي، ولا الحشود، ولا كثافة الحضور في شبكات التواصل الاجتماعي تستطيع وحدها أن تحسم ما يحدث في تلك اللحظة. كل تلك العناصر تصنع الحملة، لكنها لا تستطيع أن تختصر الاختيار.
فورقة التصويت ليست مجرد ورقة. إنها تفويض مؤقت للتمثيل السياسي. فالناخب لا يختار فقط شخصاً أو لائحة، وإنما يساهم في تشكيل مجلس النواب وموازين القوى داخله، وفي المسار الذي سيقود إلى تشكيل الحكومة والأغلبية التي ستتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام. ومن خلال البرلمان يمتد أثر هذا الاختيار إلى التشريع ومراقبة العمل الحكومي والسياسات العمومية.
ولهذا فإن المسافة بين صندوق الاقتراع وحياة المواطن اليومية ليست بعيدة كما قد تبدو. فالاختيار الذي يتم داخل المعزل يمكن أن تكون له، بصورة غير مباشرة، آثار على المدرسة والمستشفى والشغل والنقل والسكن والاستثمار والحماية الاجتماعية والتنمية المجالية وتوزيع الموارد العمومية. صحيح أن التصويت لا يغير حياة المواطن في اليوم الموالي، لكنه يساهم في اختيار من يملكون أدوات القرار التي ستؤثر في حياته خلال السنوات المقبلة.
ولا ينبغي، في هذا السياق، الخلط بين مختلف أشكال السلوك الانتخابي. فالتصويت الصحيح، والورقة الملغاة، والامتناع عن التصويت، والمقاطعة باعتبارها موقفاً سياسياً أو مدنياً، ليست أفعالاً متطابقة في دلالاتها. لكن أياً كان السلوك الذي يتخذه المواطن، فإن لحظة الاقتراع تظل لحظة انتقال المسؤولية من المرشح إلى الناخب.
غير أن سلطة الناخب لا تنتهي بمجرد وضع الورقة في الصندوق. فالانتخاب ليس شيكاً على بياض، والتصويت ليس تفويضاً مفتوحاً بلا نهاية. إنه تفويض مؤقت يترتب عنه حق المواطن في المتابعة والمساءلة والمحاسبة. ولذلك فإن الديمقراطية لا تبدأ يوم الاقتراع وتنتهي يوم إعلان النتائج؛ بل يبدأ اختبارها الحقيقي بعد الانتخابات، عندما يتحول الوعد إلى التزام، والالتزام إلى سياسة عمومية، والسياسة العمومية إلى نتائج قابلة للقياس والملاحظة والمساءلة.
وهنا تحديداً تكمن القيمة الحقيقية للتصويت: ليس لأنه يضمن تحقق كل الوعود، وإنما لأنه يمنح المواطن أداة سلمية ومؤسساتية لاختيار من سيتحملون مسؤولية تمثيله، ثم الاحتفاظ بحقه في مراقبة أدائهم ومساءلتهم.
تنتهي الحملة الانتخابية عند صندوق الاقتراع، لكن الديمقراطية لا تنتهي هناك. بل إن صندوق الاقتراع هو الحد الفاصل بين زمنين: زمن كان فيه المواطن مستمعاً إلى الوعود ومشاهداً للحشود، وزمن يصبح فيه صاحب التفويض والمسؤولية. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد نهاية هذه الحملة ليس فقط: من فاز ومن خسر؟ وإنما أيضاً: ماذا سيفعل الفائزون بهذا التفويض؟ وهل ستتحول البرامج إلى سياسات، والوعود إلى التزامات، والخطاب إلى نتائج، والتمثيل إلى مساءلة؟
لقد كشفت الحملة عن قدرة السياسة المغربية على الجمع بين أدوات حديثة وأشكال تعبئة قديمة، بين الشاشة والعلاقة الاجتماعية، بين الفيديو والموسيقى من جهة، والقرابة والمجال والانتماء من جهة أخرى. لكنها كشفت أيضاً أن قوة التعبئة ليست هي قوة الاقتناع، وأن قوة الصورة ليست هي قوة التفويض.
غداً، سيضع المواطن ورقته في الصندوق. وفي تلك اللحظة لن يكون مجرد جمهور لحملة انتخابية، بل صاحب قرار يمنح تفويضاً سياسياً لمن يختاره. وبعد ذلك، تبدأ مسؤوليته الأخرى: أن يتابع، ويسأل، ويحاسب.
فالحملة تنتهي عند صندوق الاقتراع، أما الديمقراطية فتبدأ من حيث تنتهي الحملة.