حين تصبح الوعود أثقل من النتائج: من يحاسب المسؤول السياسي؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

في الديمقراطية، لا تبدأ مسؤولية السياسي عندما يجلس على كرسي السلطة، ولا تنتهي عندما تنتهي ولايته، وإنما تبدأ منذ اللحظة التي يطلب فيها ثقة المواطنين على أساس برنامج ووعود واختيارات، ثم تتحول هذه الثقة إلى التزام سياسي وأخلاقي ومؤسساتي يفرض عليه أن يقدم الحساب أمام من منحوه أصواتهم. ولهذا فإن الانتخابات لا ينبغي أن تكون مجرد لحظة للوصول إلى السلطة، وإنما يجب أن تكون بداية لعلاقة تعاقدية بين المواطن والمسؤول، قوامها الوضوح والالتزام والنتائج والمساءلة. غير أن الإشكال يبدأ عندما تتحول الوعود الانتخابية إلى خطاب دائم، بينما تظل النتائج أقل من التوقعات، وعندما يصبح الدفاع عن الحصيلة أهم من تقييمها بموضوعية، وعندما يتحول الاعتراف بالإخفاق إلى ما يشبه الاعتراف بالهزيمة السياسية.

لقد اعتاد الخطاب السياسي، في كثير من الديمقراطيات، أن يقدم للمواطن وعودا كبيرة، لأن الانتخابات بطبيعتها تدفع الأحزاب والمرشحين إلى تقديم برامج قادرة على إقناع الناخب. وهذا أمر طبيعي في الحياة الديمقراطية، بل هو جزء من التنافس السياسي. لكن الديمقراطية لا تختبر في لحظة إطلاق الوعود، وإنما في لحظة ترجمتها إلى سياسات عمومية قابلة للقياس. فالمواطن يستطيع أن يسمع عشرات الخطابات، لكنه في النهاية لا يعيش داخل الخطاب، وإنما يعيش داخل الواقع. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى كل مسؤول سياسي ليس فقط: ماذا وعدت؟ وإنما: ماذا أنجزت؟ وما الذي لم تنجزه؟ ولماذا؟ ومن يتحمل مسؤولية ما لم يتحقق؟

وهنا يظهر الفرق بين الحصيلة السياسية والحملة السياسية. فالحملة الانتخابية تسمح بالوعود والطموحات والتصورات، أما ممارسة الحكم فتفرض الأرقام والنتائج والتقييم. والسياسي الذي يطلب ثقة المواطن على أساس برنامج يجب أن يكون مستعدا، بعد وصوله إلى المسؤولية، لأن يخضع ذلك البرنامج للاختبار. فإذا نجح، وجب الاعتراف بنجاحه، وإذا أخفق، وجب البحث عن أسباب الإخفاق وتحمل المسؤولية السياسية عنه. أما تحويل كل نقد إلى استهداف سياسي، وكل مطالبة بالمحاسبة إلى محاولة لإضعاف الحكومة أو المسؤول، فإنه يفرغ الديمقراطية من أحد أهم عناصرها.

إن المسؤولية السياسية ليست عقوبة، وليست انتقاما من المسؤول، وإنما هي آلية أساسية لحماية المؤسسات من الخطأ المتراكم. وفي الدولة الحديثة، لا توجد حكومة معصومة من الخطأ، ولا مسؤول يستطيع أن يضمن نجاح كل قرار. لكن الفرق بين نظام سياسي ناضج وآخر يعاني من أزمة حكامة هو في الطريقة التي يتعامل بها مع الأخطاء. هل يتم الاعتراف بها وتصحيحها؟ أم يتم البحث عن مبررات خارجية وتحميل المسؤولية دائما للظروف وللآخرين وللمرحلة السابقة؟

ومن منظور القانون الدستوري، فإن ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس مجرد شعار سياسي، بل هو مبدأ مؤسساتي جوهري. فالسلطة لا تمنح امتيازا دائما، وإنما ترتب مسؤولية. وكلما اتسعت صلاحيات المسؤول، اتسعت معها دائرة المسؤولية المترتبة عن ممارسة تلك الصلاحيات. ولهذا فإن الرقابة البرلمانية، والأسئلة، واللجان، وتقارير المؤسسات الدستورية والرقابية، والإعلام، والمجتمع المدني، ثم الانتخابات نفسها، ليست مظاهر ثانوية في النظام الديمقراطي، وإنما هي أدوات لضمان ألا تتحول السلطة إلى مساحة مغلقة لا تخضع للتقييم.

لكن المشكلة في بعض الأحيان لا تكون في غياب آليات المحاسبة، وإنما في ضعف الثقافة السياسية التي تتعامل معها. فحين يرى جزء من المجتمع أن مساءلة المسؤول نوع من التشويش، أو أن انتقاد الحكومة يعني بالضرورة معارضة الدولة، أو أن الاعتراف بالإخفاق يمثل إساءة للمؤسسات، فإننا نكون أمام خلط خطير بين الدولة والحكومة، وبين المؤسسة والشخص، وبين المعارضة والعداء. الحكومة تتغير، والبرلمان يتغير، والأحزاب تتنافس، لكن الدولة تستمر. ومن هنا فإن انتقاد أداء حكومة أو مسؤول ليس طعنا في الدولة، بل هو جزء طبيعي من حماية الدولة من ضعف الأداء.

والأخطر من ذلك أن المواطن قد يفقد ثقته ليس لأن الحكومة أخفقت في تحقيق كل وعودها، فهذا أمر يمكن أن يحدث في أي دولة، وإنما عندما يشعر بأن الخطاب الرسمي يصر باستمرار على أن كل شيء يسير في الاتجاه الصحيح، بينما تجربته اليومية تقول له شيئا مختلفا. هنا تحديدا تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع، وهي الفجوة التي تحدثنا عنها في افتتاحية سابقة حول الثقة بين الدولة والمواطن. فالناس يمكن أن يتفهموا الصعوبات، ويمكن أن يقبلوا بأن بعض الإصلاحات تحتاج إلى وقت، لكنهم يصبحون أقل استعدادا لتقبل خطاب لا يعترف بالمشكلات التي يعيشونها.

السياسة ليست مسابقة في صناعة الصورة، وإنما مسؤولية في صناعة النتائج. ولذلك فإن المسؤول الذي يقضي جزءا كبيرا من وقته في الدفاع عن صورته السياسية، قد ينسى أن الصورة لا تعوض الحصيلة. والواقع لا يمكن إعادة تشكيله بواسطة البيانات، ولا يمكن إقناع المواطن إلى ما لا نهاية بأن تجربته اليومية ليست حقيقية. فالمواطن يعرف أسعار السوق، ويعرف وضع المدرسة، ويعرف المستشفى، ويعرف سوق الشغل، ويعرف الإدارة، ويعرف مستوى الخدمات في مدينته وقريته. ولهذا فإن أفضل خطاب سياسي هو الذي ينطلق من الواقع، لا الذي يحاول تجميله.

وهنا تبرز قضية الوعود الانتخابية باعتبارها واحدة من أكثر القضايا حساسية في الديمقراطية. الوعد السياسي ليس مجرد جملة تقال في مهرجان انتخابي ثم تنتهي بانتهاء الحملة. إنه التزام أمام المواطنين. ولذلك فإن الحزب أو المسؤول الذي يقدم وعدا يجب أن يكون قادرا على تفسير كيفية تنفيذه، ومصادر تمويله، والمدة الزمنية اللازمة له، والعوائق المحتملة أمامه. أما إطلاق وعود ضخمة دون تحديد الوسائل والإمكانات، فإنه يحول العملية الانتخابية إلى سوق للانتظارات، ثم يجعل المواطن لاحقا أمام خيبة أكبر عندما يكتشف أن كثيرا من الوعود لم تكن قابلة للتحقق بالشكل الذي قدمت له.

ولا يعني ذلك أن كل وعد لم يتحقق هو بالضرورة دليل على فشل المسؤول. فالحكومات تعمل داخل سياق اقتصادي ودولي وإقليمي متغير، وقد تطرأ أزمات أو كوارث أو تحولات تجعل تنفيذ بعض البرامج أكثر صعوبة. لكن المسؤولية السياسية تبدأ عندما يتم تقديم تفسير صريح للمواطن، وعندما يتم تعديل السياسات إذا تغيرت الظروف، وعندما يتم الاعتراف بأن بعض الأهداف لم تعد قابلة للتحقيق بالشكل الأول الذي وعد به.

المواطن لا يحتاج إلى حكومة تدعي الكمال، وإنما يحتاج إلى حكومة صريحة. ولا يحتاج إلى مسؤول يقول له دائما إن كل شيء ناجح، وإنما يحتاج إلى مسؤول يستطيع أن يقول: هذا ما نجح، وهذا ما لم ينجح، وهذه أسباب الإخفاق، وهذه الإجراءات التي سنتخذها لتصحيح المسار. مثل هذا الخطاب قد يكون أقل لمعانا من الخطابات الانتخابية، لكنه أكثر قيمة في بناء الثقة.

ومن زاوية العلوم السياسية، فإن المساءلة لا ينبغي أن تكون مرتبطة فقط بنهاية الولاية الانتخابية. صحيح أن الانتخابات هي أقوى آلية للمحاسبة الديمقراطية، لأنها تمنح المواطن فرصة تجديد الثقة أو سحبها، لكن الديمقراطية لا يمكن أن تنتظر خمس سنوات حتى تكتشف أن السياسات فشلت. ولذلك فإن المساءلة البرلمانية، والرقابة المؤسساتية، والتقييم الدوري للسياسات العمومية، وحرية الصحافة، وحق المعارضة في النقد، كلها أدوات تسمح بتصحيح المسار قبل أن يصبح الفشل بنيويا.

كما أن المعارضة السياسية مطالبة بدورها بممارسة مسؤوليتها. فالمعارضة ليست فقط أن تقول إن الحكومة أخطأت، وإنما أن تقدم البدائل، وأن تناقش السياسات بالأرقام، وأن تقترح الحلول، وأن تمارس الرقابة دون أن تتحول إلى مجرد آلة لرفض كل شيء. الديمقراطية لا تقوم على حكومة تدعي أنها ناجحة دائما، ولا على معارضة تدعي أن الحكومة فاشلة دائما، وإنما على تنافس سياسي يجعل المواطن قادرا على المقارنة بين الخيارات.

وهنا يأتي دور الإعلام أيضا. فالإعلام الذي يكتفي بنقل الخطابات لا يؤدي كامل وظيفته، والإعلام الذي يتحول إلى طرف في الصراع يفقد جزءا من استقلاليته. المطلوب هو إعلام يسأل: ما الذي تحقق؟ ما كلفة المشروع؟ ما النتائج؟ ما عدد المستفيدين؟ وما الذي تغير بعد سنوات من تنفيذ السياسة؟ هذه الأسئلة ليست عدائية تجاه الحكومة، وإنما هي جوهر الصحافة في مجتمع ديمقراطي.

وفي المجال الدبلوماسي، تصبح مسألة المسؤولية أكثر تعقيدا، لأن القرارات الخارجية قد لا تظهر نتائجها مباشرة، وقد تحتاج إلى سنوات حتى تتضح آثارها. لذلك فإن تقييم السياسة الخارجية يجب أن يأخذ في الاعتبار المصلحة الوطنية طويلة المدى، وموازين القوى، والتحولات الإقليمية والدولية، ومصالح الشركاء، وليس فقط ردود الفعل اللحظية. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن الدبلوماسية يجب أن تكون خارج المساءلة، بل على العكس، كل قرار استراتيجي يحتاج إلى تفسير سياسي ومؤسساتي يوضح أهدافه ونتائجه.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الحياة السياسية هو أن تتحول المسؤولية إلى مجرد لقب، وأن تصبح المحاسبة مجرد شعار. فالمسؤول الذي يعرف أنه لن يسأل عن النتائج قد يركز على إدارة الصورة أكثر من إدارة الملفات، بينما المسؤول الذي يدرك أن كل قرار سيخضع للتقييم يكون أكثر حرصا على جودة القرار وعلى دراسة آثاره.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل نملك مؤسسات للمحاسبة؟ بل: هل نمارس المحاسبة فعلا؟

وهل نملك الشجاعة السياسية للقول للمسؤول: هذه الوعود قدمتها، وهذه النتائج حققتها، وهذه الأهداف لم تحققها، وهذه أسباب ذلك؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد مستوى نضج تجربتنا الديمقراطية. فالديمقراطية لا تقاس فقط بوجود صناديق الاقتراع، وإنما بقدرتها على إنتاج مسؤولين يعرفون أن السلطة مؤقتة، وأن الثقة قابلة للتجديد أو السحب، وأن المنصب ليس ملكية شخصية، وأن الحصيلة هي في النهاية الحكم الأكثر صدقا على الأداء.

وفي النهاية، يجب أن نفهم أن المواطن لا يريد الانتقام من المسؤول السياسي، وإنما يريد أن يعرف من يتحمل مسؤولية القرار. ولا يريد إسقاط المؤسسات، وإنما يريد أن يراها تعمل بكفاءة. ولا يريد أن يسمع وعودا جديدة في كل موسم انتخابي، وإنما يريد أن يرى نتائج الوعود السابقة.

فالوعود تمنح السياسي فرصة للوصول إلى السلطة، لكن النتائج هي التي تمنحه الحق في طلب ثقة جديدة.

ولهذا فإن المسؤولية السياسية لا ينبغي أن تبدأ عند سؤال المواطن: «ماذا وعدتني؟»، بل عند السؤال الأكثر صعوبة: «ماذا فعلت بما منحتك من ثقة؟»

وعندما يصبح هذا السؤال جزءا طبيعيا من الثقافة السياسية، وعندما يصبح المسؤول مستعدا للإجابة عنه دون خوف أو مراوغة، نكون قد انتقلنا من ديمقراطية الوعود إلى ديمقراطية النتائج.

ففي النهاية، لا ينبغي أن يكون المنصب مكافأة على الخطاب، ولا أن تكون الانتخابات غاية في ذاتها، ولا أن تتحول السلطة إلى وسيلة لحماية الصورة السياسية.

السلطة مسؤولية، والوعود التزام، والنتائج امتحان، والمحاسبة هي التي تعطي للديمقراطية معناها الحقيقي.