قانون المحاماة بين سلطة التنظيم وحرية التعبير: حين يصبح تصحيح الخطأ المادي ضرورة لحماية الثقة في التشريع
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
قانون المحاماة بين سلطة التنظيم وحرية التعبير: حين يصبح تصحيح الخطأ المادي ضرورة لحماية الثقة في التشريع
لم يعد الجدل الذي رافق القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مجرد خلاف مهني بين المحامين والجهات الحكومية المعنية، كما لا ينبغي اختزاله في سجال حول تفاصيل تقنية تخص مهنة بعينها. فحين تخرج قواعد جديدة لتنظيم مهنة ترتبط مباشرة بحقوق الدفاع وبولوج المواطن إلى العدالة وبضمانات المحاكمة العادلة، فإن النقاش حولها يصبح، بالضرورة، نقاشا دستوريا ومؤسساتيا ومجتمعيا يتجاوز حدود المهنة إلى سؤال أوسع يتعلق بطبيعة دولة القانون وحدود سلطة التنظيم والتشريع.
ولذلك فإن رفض عدد من المحامين لبعض مقتضيات القانون الجديد، واعتبارهم أن بعض مواده قد تقيد هامش التعبير أو تمس باستقلالية المهنة، يستحق أن يُقرأ بعيدا عن منطق التخوين أو التبسيط. فالمحاماة ليست مهنة عادية، لأنها توجد في نقطة التماس بين المواطن والقضاء والدولة، والمحامي لا يدافع فقط عن مصالح موكله، وإنما يمارس وظيفة أساسية داخل منظومة العدالة. ومن ثم فإن أي تنظيم قانوني للمهنة ينبغي أن يحقق معادلة دقيقة: تنظيم الممارسة من جهة، وضمان استقلالها وحرية الدفاع من جهة أخرى.
وهنا تحديدا ينبغي أن نميز بين أمرين كثيرا ما يختلطان في النقاش العمومي: تنظيم المهنة ليس تكميما للأفواه، كما أن حماية حرية التعبير لا تعني إعفاء أي مهني من المسؤولية القانونية والمهنية.
المطلوب إذن ليس إلغاء سلطة الدولة في تنظيم المهن القانونية، فهذا أمر طبيعي وضروري، وإنما التأكد من أن هذا التنظيم لا يتحول، تحت أي ذريعة، إلى وسيلة لتضييق المجال الذي يمارس فيه المحامي دوره في الدفاع والتعبير والترافع، ولا إلى آلية يمكن أن تخلق أثرا رادعا يجعل المهني يتردد في ممارسة وظيفة الدفاع خوفا من المتابعة أو العقوبة.
إن دولة القانون لا تخاف من المحامي الذي يمارس حقه في النقد، كما أن المحامي لا ينبغي أن ينظر إلى كل تنظيم قانوني باعتباره استهدافا للمهنة. المسألة أعمق من ذلك بكثير، لأنها تتعلق بحدود السلطة وبالتوازن بين مقتضيات النظام العام وضمانات الحقوق والحريات.
ومن هذه الزاوية، فإن الجدل الحالي يفرض علينا أن نعيد طرح سؤال أساسي: كيف يمكن تنظيم مهنة المحاماة دون المساس بالاستقلال الذي يشكل جزءا من فلسفة العدالة نفسها؟
إن استقلال المحاماة ليس امتيازا شخصيا للمحامي، وإنما ضمانة للمواطن قبل أن يكون ضمانة للمهني. فالمواطن الذي يقف أمام القضاء يحتاج إلى محام قادر على ممارسة وظيفته بحرية ومسؤولية، وقادر على تقديم دفوعه وانتقاد ما يراه اختلالا في إطار القانون، دون أن يتحول الخوف من الجزاء إلى قيد غير معلن على ممارسة الدفاع.
ولهذا فإن أي مقتضى قانوني يثير مخاوف جدية لدى الجسم المهني ينبغي أن يخضع للنقاش الهادئ والدقيق، لا أن يواجه فقط بمنطق الأغلبية التشريعية أو بمنطق أن القانون صدر وانتهى الأمر. فصدور القانون في الجريدة الرسمية يجعله نافذا، لكنه لا يجعل النقاش حوله ممنوعا، ولا يحول دون تصحيح ما قد يظهر فيه من أخطاء مادية أو تقنية، ولا يمنع من مراجعة المقتضيات التي قد تحتاج إلى توضيح أو تعديل.
وهنا نصل إلى نقطة أكثر تقنية، لكنها في غاية الأهمية، وتتعلق بما أثير بشأن المادة 146.
فبحسب القراءة التي تستند إلى النص المنشور، تشير المادة المذكورة إلى أن المادة 12 لا تدخل حيز التنفيذ إلا من تاريخ نشر النصوص التنظيمية اللازمة لتطبيقها في الجريدة الرسمية. غير أن الإشكال الذي يستحق التوقف عنده هو أن المادة 12، بحسب مضمونها، لا تبدو مرتبطة في تطبيق أحكامها بصدور نصوص تنظيمية من هذا النوع، بينما تبدو الإحالة أقرب، من الناحية المنطقية والتشريعية، إلى المادة 13 التي ترتبط في تطبيقها بصدور قرار عن وزير العدل.
وإذا تأكد أن الأمر يتعلق فعلا بخطأ مادي في الإحالة، فإن تصحيحه لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره تراجعا عن القانون أو مساسا بهيبة المؤسسة التشريعية، بل باعتباره ممارسة سليمة من ممارسات جودة التشريع.
فالقانون، مهما بلغت دقة مساره التشريعي، يظل نصا بشريا يمكن أن تتسلل إليه أخطاء في الترقيم أو الإحالة أو الصياغة. والقانون الجيد ليس هو القانون الذي لا يراجع، وإنما هو القانون الذي تملك مؤسساته القدرة على تصحيح الأخطاء وضمان انسجام النصوص وعدم ترك المواطن والمهني أمام مقتضيات ملتبسة.
إن الخطأ المادي في النص القانوني قد يبدو في الظاهر مسألة بسيطة، لكنه قد ينتج آثارا قانونية حقيقية إذا تعلق بتاريخ دخول مقتضى معين حيز التنفيذ. لذلك فإن التصويب في هذه الحالة ليس ترفا تقنيا، وإنما ضرورة لضمان الأمن القانوني.
والأمن القانوني يعني، في جوهره، أن يعرف المواطن والمهني مسبقا القاعدة التي تنطبق عليه، وأن تكون النصوص واضحة ومنسجمة وقابلة للفهم والتطبيق دون تناقض أو غموض غير مبرر.
ومن هنا فإن تصحيح الإحالة الواردة في المادة 146، إذا ثبت فعلا أنها غير صحيحة، سيكون في حد ذاته رسالة إيجابية: رسالة تقول إن جودة التشريع لا تتوقف عند لحظة التصويت والنشر، وإنما تستمر بعد دخول القانون حيز التنفيذ، من خلال مراقبة تطبيقه وتصحيح ما قد يظهر من أخطاء مادية أو تناقضات تقنية.
لكن القضية لا تقف عند هذا الحد.
فالجدل حول قانون المحاماة يفتح نقاشا أوسع حول الثقافة التشريعية في المغرب. هل ننتج القوانين فقط لأننا نحتاج إلى نص جديد، أم ننتجها وفق رؤية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار قابلية التطبيق، وانسجام المقتضيات، واستقرار المراكز القانونية، وتفاعل المهنيين معها؟
إن التشريع ليس عملية حسابية تنتهي بمجرد التصويت على النص. إنه عملية سياسية وقانونية واجتماعية معقدة، لأن كل مادة قانونية يمكن أن تؤثر في سلوك أشخاص ومؤسسات، وقد تعيد تشكيل علاقات مهنية وحقوقية بأكملها.
ولهذا فإن إشراك المعنيين بالقانون في مراحل إعداده ومناقشته ليس ترفا ديمقراطيا، وإنما أحد شروط جودة التشريع.
وفي حالة مهنة المحاماة، تبدو هذه المسألة أكثر حساسية، لأن المحامين ليسوا فقط مخاطبين بالقانون، وإنما هم جزء من منظومة العدالة التي يفترض أن يساهموا في ضمان فعاليتها.
ولا ينبغي أن يتحول الخلاف بينهم وبين السلطة التنفيذية أو التشريعية إلى معركة كسر عظام.
فالمؤسسات القوية لا تقاس بقدرتها على فرض النص فقط، وإنما بقدرتها على إدارة الخلاف حول النص.
والدولة القوية ليست التي تقول للمجتمع: هذا هو القانون وانتهى الأمر، وإنما التي تستطيع أن تقول أيضا: إذا ظهر خلل، سنصححه؛ وإذا كان هناك غموض، سنوضحه؛ وإذا كان هناك مقتضى يحتاج إلى مراجعة، فسنراجعه عبر الآليات الدستورية والقانونية.
وهذا تحديدا هو معنى دولة المؤسسات.
أما تحويل النقاش حول القانون إلى معركة بين “هيبة الدولة” و”تمرد المحامين”، فهو تبسيط مخل بقضية أكبر بكثير من الأشخاص والمواقف.
فالمحامي الذي ينتقد قانونا ليس بالضرورة ضد الدولة، والدولة التي تنظم مهنة المحاماة ليست بالضرورة ضد المحامين.
بين الطرفين توجد منطقة مشتركة اسمها سيادة القانون.
وإذا كانت الدولة تريد محاماة قوية ومستقلة ومسؤولة، فإن عليها أن تمنح المهنة إطارا قانونيا واضحا ومتوازنا، وفي المقابل فإن على المحامين أن يمارسوا احتجاجهم ونقدهم داخل المؤسسات وبأدوات قانونية ومهنية تحفظ للمهنة صورتها ومكانتها.
وهنا تكمن المسؤولية المشتركة.
إن المغرب، وهو يراكم تجربته المؤسساتية والدستورية، يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ترسيخ ثقافة قانونية جديدة لا تعتبر الاختلاف تهديدا، ولا تعتبر النقد خروجا عن الصف، ولا تعتبر مراجعة النصوص اعترافا بالفشل.
فالقانون لا يقدس لأنه قانون، وإنما يحترم لأنه يعكس الإرادة التشريعية ويحقق الأمن القانوني ويحمي الحقوق وينظم العلاقات بعدالة ووضوح.
ومن هذه الزاوية، فإن تصحيح الخطأ المادي المحتمل في المادة 146 ينبغي أن يكون أول خطوة عملية في اتجاه تهدئة النقاش وإعادة الاعتبار للمنطق القانوني الهادئ. فإذا كان المقصود فعلا هو المادة 13 بدل المادة 12، فإن تصويب الإحالة سيزيل إشكالا لا ينبغي أن يبقى قائما، خصوصا في نص يتعلق بمهنة لها صلة مباشرة بالحقوق والحريات وبسير العدالة.
أما النقاش الأوسع حول المقتضيات التي يعتبرها المحامون مقيدة لحرية التعبير أو لاستقلالية المهنة، فينبغي أن ينتقل بدوره من لغة التصعيد إلى لغة المؤسسات: قراءة دستورية، ونقاش مهني، وتقييم قانوني، ثم تعديل أو توضيح حيثما ثبتت الحاجة.
ففي دولة القانون، لا ينبغي أن يخاف النص من النقاش.
ولا ينبغي أن يخاف المسؤول من النقد.
ولا ينبغي أن يخاف المحامي من ممارسة وظيفته في الدفاع.
لأن الدولة التي تريد عدالة قوية تحتاج إلى محام قوي ومستقل، والمحامي الذي يريد مهنة قوية يحتاج بدوره إلى دولة مؤسسات قوية.
وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية ليست بين المحامين والحكومة، وليست بين المهنة والسلطة.
المعركة الحقيقية هي من أجل قانون واضح، وعدالة مستقلة، وتشريع متماسك، ومؤسسات قادرة على تصحيح أخطائها قبل أن تتحول الأخطاء الصغيرة إلى أزمات كبيرة.
فالقانون الجيد لا يحتاج إلى إسكات منتقديه.
يكفيه أن يكون واضحا، دستوريا، عادلا، وقابلا للدفاع عنه أمام المجتمع والتاريخ.