Leopolda و«جا الوقت».. عندما تلتقي تجربتان في إعادة ابتكار العمل الحزبي
بقلم غزيز فصالي
عضو المجلس الوطني حزب الحركة الشعبية
رئيس لجنة مغاربة العالم
من محطة قطار قديمة في فلورنسا أطلق منها ماتيو رينزي مساره نحو رئاسة الحكومة الإيطالية، إلى مشروع «جا الوقت» الذي يقدمه محمد أوزين في المغرب، تتقاطع تجربتان تبدوان متباعدتين جغرافياً وسياسياً، لكنهما تتقاسمان السؤال نفسه: كيف يُعاد بناء حزب سياسي في زمن فقدان الثقة؟
تشهد الساحة السياسية في عدد من الدول لحظات مفصلية تعيد تشكيل هوية الأحزاب وتدفعها إلى تجديد خطابها وأساليب تواصلها. وفي هذا السياق، تبرز تجربتان مختلفتان جغرافياً، لكنهما متقاربتان من حيث الفلسفة.
تجربة Leopolda التي أطلقها ماتيو رينزي، الذي سيصبح لاحقاً رئيساً لوزراء إيطاليا، وبرنامج «جا الوقت» الذي قدمه محمد أوزين، والذي يحمل وعداً واضحاً بالقطع مع الممارسة السياسية الحالية في المغرب. ورغم اختلاف السياقات السياسية بين البلدين، فإن التقاطعات بين التجربتين لافتة، وتكشف عن تحول في طريقة اشتغال الأحزاب وسعيها لاستعادة ثقة المواطنين.
Leopolda: مختبر سياسي خارج القوالب التقليدية
ظهرت Leopolda سنة 2010 داخل محطة قطارات قديمة في فلورنسا، لكنها سرعان ما تحولت إلى منصة سياسية مبتكرة أطلقها ماتيو رينزي، الذي سيصعد بعد سنوات قليلة إلى رئاسة الحكومة الإيطالية. لم تكن مؤتمراً حزبياً كلاسيكياً، بل فضاءً مفتوحاً للنقاش يجمع الشباب ورواد الأعمال والمجتمع المدني حول رؤية جديدة للسياسة.
اعتمدت التجربة على كسر الشكل التقليدي للقاءات الحزبية، وعلى تقديم خطاب جديد يقوم على الجرأة والابتكار، وعلى خلق لحظة سياسية أعادت رسم ملامح الحزب الديمقراطي الإيطالي. كانت Leopolda إعلاناً عن قطيعة مع السياسة القديمة، وبداية مشروع لإعادة بناء الثقة بين الحزب والمجتمع.
«جا الوقت»: رؤية لإعادة ربط الحزب بالمواطن
يأتي برنامج «جا الوقت» في سياق مغربي يعرف تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة. والبرنامج الذي قدمه محمد أوزين يقدم تصوراً يقوم على التعاقد بدل الوعود، وعلى معالجة قضايا يومية مثل القدرة الشرائية، والعدالة المجالية، ومحاربة الاحتكار.
يرتكز البرنامج على تجديد الخطاب السياسي، وتطوير آليات التواصل، والانفتاح على الشباب والكفاءات، وإعادة بناء التنظيم الحزبي، واسترجاع الثقة في العمل السياسي. ويقدم محمد أوزين من خلال هذا المشروع وعداً سياسياً بالقطع مع الممارسة الحالية، عبر خطاب جديد ورؤية أكثر واقعية وقرباً من المواطن.
أين تلتقي التجربتان؟
أول ما يلفت الانتباه في المقارنة بين التجربتين هو أنهما تحملان مشروعاً واحداً في جوهره: إعادة التأسيس. فـLeopolda أعادت ابتكار الحزب الديمقراطي الإيطالي بقيادة ماتيو رينزي، فيما يسعى «جا الوقت» إلى إعادة إطلاق الحركة الشعبية بقيادة محمد أوزين. مشروعان مختلفان في السياق، متطابقان في الطموح.
ثاني نقاط الالتقاء تكمن في الخلفية المشتركة: تجربتان ولدتا في لحظة تراجع الثقة في الأحزاب التقليدية. ظهرت Leopolda في وقت كانت فيه الطبقة السياسية الإيطالية تعاني من أزمة مصداقية حادة، فيما يأتي «جا الوقت» في سياق تراجع ثقة المواطن المغربي في السياسة. وفي الحالتين، يطرح المشروع نفسه بوصفه جواباً عن سؤال الثقة، عبر خطاب جديد يعيد ربط الحزب بالمواطن.
ثم هناك مسألة تجديد النخب. جذبت Leopolda الشباب ورواد الأعمال والمجتمع المدني حول رينزي، فيما يركز «جا الوقت» على الشباب القروي والأمازيغي والطبقات المتوسطة حول رؤية أوزين. الشباب، في الحالتين، ليس مجرد جمهور مستهدف، بل قلب المشروع وعموده الفقري.
ولا تكتمل المقارنة دون الإشارة إلى البعد الرمزي: كل من التجربتين صنعت «لحظة سياسية» خاصة بها. صنعت Leopolda «لحظة رينزي» التي قادته لاحقاً إلى رئاسة الوزراء، فيما يصنع «جا الوقت» لحظة جديدة داخل الحركة الشعبية بقيادة أوزين. لحظتان مختلفتان زمنياً وجغرافياً، لكنهما تشتركان في كونهما إعلاناً عن دينامية سياسية جديدة.
أخيراً، تلتقي التجربتان في الأسلوب قبل المضمون. كسرت Leopolda الشكل التقليدي للقاءات الحزبية، فيما يقدم «جا الوقت» رؤية اجتماعية وتنظيمية حديثة تقطع مع الممارسة الحالية. في الحالتين، يُعاد اختراع طريقة ممارسة السياسة قبل أن يُعاد اختراع محتواها.
تكشف المقارنة بين Leopolda و«جا الوقت» أن التجربتين، رغم اختلاف السياقين، تلتقيان في جوهرهما: إعادة بناء الحزب، وتجديد النخب، واسترجاع الثقة في العمل السياسي عبر خطاب جديد ورؤية أكثر قرباً من المواطن.
كانت Leopolda لحظة تأسيسية في السياسة الإيطالية قادت ماتيو رينزي إلى رئاسة الوزراء، ويقدم «جا الوقت» محاولة مشابهة لإطلاق دينامية جديدة داخل الحركة الشعبية بقيادة محمد أوزين، في زمن يحتاج فيه المواطن إلى خطاب واضح، وممارسة مسؤولة، وسياسة تعالج قضاياه اليومية.