أخطر أنواع الفقر… فقر القدوة

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

حين يتحدث الناس عن الفقر، يتبادر إلى الأذهان نقص المال، أو قلة فرص الشغل، أو ضعف الدخل. وهي كلها تحديات حقيقية تؤثر في حياة الأفراد والمجتمعات. لكن هناك نوعا آخر من الفقر، قد يكون أكثر خطورة وأشد أثرا، لأنه لا يفرغ الجيوب فقط، بل يفرغ النفوس من الأمل، ويهز القيم التي يقوم عليها المجتمع. إنه فقر القدوة.

فالإنسان، منذ طفولته، يبحث عمن يقتدي به. يحتاج إلى أب يزرع فيه الصدق، وأم تعلمه الرحمة، وأستاذ يغرس فيه حب العلم، ومسؤول يثبت له أن النزاهة ليست مجرد شعار، بل ممارسة يومية. وعندما تغيب هذه النماذج، يصبح من الصعب إقناع الأجيال بأن القيم ما زالت طريقا للنجاح.

لقد كانت القدوة في الماضي حاضرة داخل الأسرة، وفي المدرسة، وفي الحي، وحتى في الإدارة. كان الطفل يكبر وهو يرى نماذج تستحق الاحترام، فيتعلم أن النجاح يقترن بالاجتهاد، وأن المكانة تبنى بالأخلاق قبل المال أو النفوذ. أما اليوم، فقد تغيرت موازين كثيرة، وأصبح البريق أحيانا يسبق القيمة، وأصبح الشهرة تغلب الاستحقاق، حتى بات البعض يعتقد أن الوصول إلى القمة لا يحتاج إلى علم أو عمل، بقدر ما يحتاج إلى الظهور وإثارة الانتباه.

ولا يقتصر الأمر على وسائل التواصل الاجتماعي، بل يمتد إلى مختلف مناحي الحياة. ففي بعض المؤسسات، يفقد الموظف حماسه عندما يرى أن الاجتهاد لا يكافأ، وأن العلاقات تتقدم على الكفاءة. وفي السياسة، يفقد المواطن ثقته عندما لا يجد في المسؤول الصورة التي تعكس قيم التضحية والالتزام وخدمة الصالح العام. وفي المدرسة، يتأثر التلميذ عندما لا يجد في معلمه النموذج الذي يلهمه، قبل أن يلقنه الدروس.

إن المجتمع الذي يفتقد القدوة، يفتح الباب أمام اختلالات كثيرة. لأن الإنسان بطبيعته يتأثر بما يراه أكثر مما يتأثر بما يسمعه. فإذا رأى أن النجاح يأتي بالالتفاف على القواعد، وأن النفوذ يغلب القانون، وأن الشهرة أهم من الأخلاق، فإنه سيعيد ترتيب أولوياته، وقد يتخلى عن كثير من المبادئ التي تربى عليها.

لكن القدوة لا تعني أن يكون الإنسان معصوما من الخطأ. فالقدوة الحقيقية هي من يعترف بخطئه، ويتعلم منه، ويحافظ على تواضعه مهما بلغت مكانته. فالناس لا يبحثون عن الكمال، لأن الكمال لله وحده، وإنما يبحثون عن الصدق، والاستقامة، والانسجام بين القول والفعل.

وإذا أردنا أن نبني مجتمعا متماسكا، فعلينا أن نعيد الاعتبار للقدوة في كل المجالات. نحتاج إلى أب حاضر قبل أن يكون آمرا، وإلى أم تربي بالقيم قبل الكلمات، وإلى أستاذ يصنع الإنسان قبل الشهادة، وإلى مسؤول يجعل من سلوكه اليومي رسالة في النزاهة والاحترام. فالأجيال لا تحفظ الخطب بقدر ما تحفظ المواقف.

إن الأمم العظيمة لم تنهض بالثروات وحدها، بل نهضت لأنها أنجبت رجالا ونساء كانوا قدوة في العلم، والعمل، والأخلاق، والإخلاص. فالقيم لا تنتقل بالكتب وحدها، بل تنتقل بالسلوك، وبالمثال الحي الذي يراه الناس كل يوم.

وفي النهاية، قد تستطيع الدول أن تعالج الفقر الاقتصادي بخطط واستثمارات، وقد تعالج البطالة بسياسات وفرص عمل، لكن فقر القدوة لا يعالج إلا بإعادة الاعتبار للإنسان الذي يجعل من أخلاقه رسالة، ومن عمله نموذجا، ومن خدمته للناس شرفا لا وسيلة لمصلحة.

فحين يغيب المال قد تتعثر الحياة، أما حين تغيب القدوة فقد يتعثر المستقبل بأكمله.