وهبي يقود معركة العقول ويرسم خطة الإطاحة “بالديوك” في صمت
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار الجماهير المغربية إلى التشكيلة الأساسية التي سيعتمدها المنتخب الوطني أمام فرنسا في ربع نهائي كأس العالم 2026، تدور خلف الكواليس معركة أخرى لا تقل أهمية عن المواجهة فوق المستطيل الأخضر، عنوانها التخطيط، والتحليل، وقراءة المنافس بأدق التفاصيل، بقيادة الناخب الوطني محمد وهبي، الذي جعل من العمل التكتيكي أحد أبرز أسلحته منذ توليه قيادة “أسود الأطلس”.
ومنذ وصوله إلى الجهاز الفني للمنتخب الأول، حرص وهبي على إرساء أسلوب عمل يعتمد على التفاصيل الدقيقة، واضعًا نصب عينيه بناء منتخب قادر على مجاراة أكبر المدارس الكروية في العالم، ليس فقط بالمهارات الفردية، وإنما أيضًا بالانضباط التكتيكي، والقدرة على التكيف مع مجريات المباريات، وقراءة المنافس بالشكل الذي يسمح باتخاذ القرارات المناسبة في اللحظات الحاسمة.
ويؤمن وهبي بأن المباريات الكبرى لا تُحسم فقط بما يقدمه اللاعبون داخل الملعب، بل بما يسبقها من عمل طويل داخل قاعة تحليل الفيديو، حيث تُراجع تحركات المنافس، وطريقة بنائه للهجمات، ونقاط قوته وضعفه، وسلوك لاعبيه في مختلف الحالات، سواء أثناء الاستحواذ أو عند فقدان الكرة أو في الكرات الثابتة.
ولهذا الغرض، يعتمد الناخب الوطني على جهاز فني متكامل، يضم أسماء راكمت خبرة كبيرة في كرة القدم الأوروبية، وفي مقدمتهم مساعده البرتغالي جواو ساكرامينتو، الذي يشكل أحد العناصر الأساسية داخل الطاقم التقني، بحكم تجربته الطويلة مع عدد من الأندية الأوروبية الكبرى، واشتغاله إلى جانب مدربين عالميين.
ويعمل ساكرامينتو، إلى جانب باقي أفراد الجهاز الفني، على إعداد تقارير تحليلية دقيقة حول المنافسين، تتضمن دراسة تحركات اللاعبين، وأساليب الضغط، والتمركز الدفاعي، والتحولات الهجومية، إضافة إلى تحليل الكرات الثابتة، وهي المعطيات التي يعتمد عليها محمد وهبي في وضع الخطة النهائية للمباراة.
ورغم أهمية هذه التقارير، فإن القرار الأخير يبقى دائمًا بيد محمد وهبي، الذي يشرف بنفسه على كل تفاصيل التحضير، ويحدد الاختيارات الفنية والتكتيكية، سواء فيما يتعلق بالتشكيلة الأساسية أو بالتغييرات المنتظرة أثناء المباراة، انطلاقًا من قراءته الخاصة لمجريات اللقاء.
ويُعرف وهبي داخل الأوساط الكروية باهتمامه الكبير بالتفاصيل الصغيرة، إذ يفضل أن يكون كل لاعب على دراية كاملة بدوره داخل الملعب، وبالسيناريوهات المحتملة التي قد تعرفها المباراة، وهو ما يمنح المنتخب مرونة تكتيكية كبيرة خلال المواجهات الصعبة.
كما يولي المدرب المغربي أهمية خاصة للجانب الذهني، إذ يسعى إلى تجهيز لاعبيه نفسيًا قبل المباريات الكبرى، وإقناعهم بأن الفارق بين المنتخبات الكبرى والمنتخبات الطامحة لم يعد مرتبطًا بالأسماء، بل بالانضباط والتركيز والقدرة على تنفيذ التعليمات طوال التسعين دقيقة.
وسيكون المنتخب الفرنسي اختبارًا جديدًا لهذه الفلسفة، خاصة أنه يملك واحدًا من أقوى الخطوط الهجومية في البطولة، ويتميز بسرعة التحول من الدفاع إلى الهجوم، إلى جانب امتلاكه لاعبين قادرين على صناعة الفارق في أي لحظة.
في المقابل، يدخل المنتخب المغربي المواجهة بعدما بصم على مسار لافت في البطولة، إذ بلغ ربع النهائي عقب إقصاء كندا بثلاثية نظيفة، بعدما قدم أداءً جماعيًا نال إشادة العديد من المتابعين، ليؤكد مرة أخرى أن المشروع الذي يقوده محمد وهبي يسير بخطوات ثابتة نحو ترسيخ مكانة المغرب بين كبار كرة القدم العالمية.
وتشير الأرقام إلى أن المنتخب المغربي يعد من بين أفضل المنتخبات دفاعيًا في البطولة، كما نجح في الحفاظ على توازنه التكتيكي أمام منتخبات تملك إمكانيات هجومية كبيرة، وهو ما يمنح الجهاز الفني ثقة إضافية قبل مواجهة فرنسا.
وبالنسبة لمحمد وهبي، فإن المباراة لن تكون مجرد مواجهة من أجل التأهل إلى نصف النهائي، بل فرصة جديدة لإثبات أن كرة القدم الحديثة لا تعتمد فقط على جودة اللاعبين، بل على جودة الأفكار أيضًا، وأن التحضير الدقيق والقراءة الصحيحة للمنافس قد يكونان السلاح الحقيقي لصناعة الفارق أمام أحد أقوى منتخبات العالم.
ولهذا، يواصل الناخب الوطني العمل بعيدًا عن الأضواء، مركزًا على أدق التفاصيل، ومؤمنًا بأن النجاح في مثل هذه المباريات يبدأ قبل صافرة البداية بأيام، داخل غرف التحليل والاجتماعات الفنية، قبل أن ينتقل إلى أرضية الملعب، حيث يبقى التنفيذ الجيد هو الفيصل في كتابة فصل جديد من تاريخ الكرة المغربية.