أوزين يدق ناقوس الخطر… عندما يصبح التعليم مرآة لاختلالات التنمية
ليست كل المداخلات البرلمانية سواء. فهناك مداخلات تمر مرور الكرام، وأخرى تثير النقاش السياسي والإعلامي لساعات أو أيام، وهناك مداخلات تضع الإصبع على الجرح الحقيقي، لأنها تنطلق من واقع يعيشه المواطن يوميا. ومن هذا الصنف جاءت مداخلة محمد أوزين خلال جلسة المساءلة الشهرية لرئيس الحكومة، حيث اختار أن يتحدث عن التعليم، لكن من زاوية أعمق تتعلق بمستقبل التنمية في المغرب.
لقد أثار أوزين نقطة جوهرية حين تساءل عن جدوى إعادة مناقشة ملف التعليم للمرة الرابعة داخل البرلمان، في وقت لا يلمس فيه المغاربة نتائج ملموسة على أرض الواقع. فالنقاشات والبرامج والاستراتيجيات لا قيمة لها إذا لم تنعكس على جودة المدرسة العمومية ومستوى التلاميذ وآفاق الأجيال الصاعدة.
ولعل من أقوى الرسائل التي حملتها المداخلة اعتبار اللجوء إلى أجهزة كشف الغش في امتحانات البكالوريا مؤشرا على وجود خلل أعمق من مجرد حالات غش معزولة. فحين تصبح التكنولوجيا وسيلة لمحاصرة الظاهرة، يبقى السؤال المطروح: ماذا عن معالجة الأسباب الحقيقية المرتبطة بجودة التعلمات وترسيخ قيم الاستحقاق والثقة في المدرسة؟
لكن أوزين لم يحصر النقاش في التعليم فقط، بل وسعه ليشمل النموذج التنموي برمته. فبينما تتحدث الحكومة عن “المغرب الصاعد” والمشاريع الكبرى والاستثمارات الضخمة والبنيات التحتية الحديثة، يطرح المواطن سؤالا بسيطا: أين أثر كل ذلك في حياته اليومية؟
فالمواطن لا يقيس التنمية بعدد الطرق السيارة أو حجم الاستثمارات المعلنة فقط، بل بقدرته على الولوج إلى تعليم جيد، وخدمات صحية محترمة، وفرص شغل تحفظ كرامته، وسكن لائق يؤمن استقرار أسرته. لذلك كان أوزين محقا عندما أكد أن التنمية الحقيقية لا تقاس بالإسمنت والخرسانة فقط، بل بمدى الاستثمار في الإنسان.
ولم تغب عن المداخلة معاناة المغاربة مع الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، خاصة بعد ما عاشته الأسر خلال موسم عيد الأضحى، حيث وجد كثير من المواطنين أنفسهم عاجزين عن اقتناء الأضحية رغم كل الوعود والتطمينات. وهي مفارقة تعكس حجم الفجوة بين الأرقام الرسمية والواقع المعيش.
أما في ما يخص التعليم، فقد أعاد أوزين التذكير بحقائق مقلقة لا يمكن تجاهلها: استمرار الهدر المدرسي، ضعف التحصيل في القراءة والرياضيات والعلوم، وصعوبة تحقيق مدرسة قادرة على إعداد أجيال تنافس في اقتصاد المعرفة. وهي مؤشرات تؤكد أن أزمة التعليم ليست أزمة قطاع فقط، بل أزمة مستقبل.
ومن أكثر النقاط إثارة للانتباه تلك المتعلقة بالمفارقة بين حجم الإنفاق على التعليم والنتائج المحققة. فكيف يمكن لبلد يصنف ضمن الدول التي تخصص اعتمادات مالية مهمة لهذا القطاع أن يستمر في تسجيل نتائج متواضعة على مستوى الجودة والمردودية؟ سؤال مشروع يفرض مراجعة عميقة لطرق التدبير والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
لقد قدم محمد أوزين، من موقعه كأمين عام لحزب معارض ونائب برلماني، نموذجا للمعارضة التي تناقش القضايا الجوهرية بدل الانشغال بالسجالات الهامشية. معارضة تراقب وتنتقد وتقترح، واضعة مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.
فرجل الدولة لا يقاس بعدد المناصب التي تقلدها، بل بقدرته على قول الحقيقة عندما يكون قولها ضروريا، وبشجاعته في إثارة الملفات التي تمس حياة المواطنين ومستقبل الأجيال. والتعليم، بلا شك، واحد من هذه الملفات المصيرية.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم التي حملتها هذه المداخلة واضحة: لا يمكن الحديث عن مغرب صاعد إذا لم تصعد المدرسة المغربية أولا، ولا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية إذا لم يكن الإنسان المغربي هو المستفيد الأول منها.
فالتعليم ليس قطاعا من بين القطاعات… بل هو القضية التي يتوقف عليها مستقبل الوطن كله.