الدولة بين منطق المشروع… ومنطق الاستحقاق الانتخابي

0

اقتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

ليست الدولة، في الفقه الدستوري أو في الأدبيات الكلاسيكية للعلوم السياسية، مجرد جهاز إداري يتولى تدبير الشأن العام، ولا مجرد حكومة تتغير بتغير نتائج الانتخابات، بل هي مشروع حضاري ممتد في الزمن، يقوم على استمرارية المؤسسات، وتراكم السياسات العمومية، ووحدة الرؤية الاستراتيجية. ولذلك، فإن الفرق بين الدول الصاعدة والدول المتعثرة لا يكمن في حجم مواردها الطبيعية، وإنما في طبيعة النخب التي تديرها، وفي قدرتها على الفصل بين منطق الدولة ومنطق المنافسة الانتخابية.

إن إحدى الإشكاليات التي تواجه العديد من الديمقراطيات الناشئة تتمثل في هيمنة ما يسميه علماء السياسة بـ”قصر الأفق السياسي”(Political Short-termism)، حيث تصبح الولاية الانتخابية هي الإطار الزمني الوحيد للتفكير، فتغلب الاعتبارات الظرفية على الخيارات الاستراتيجية، وتتحول السياسة العمومية إلى وسيلة لتحقيق مكاسب انتخابية، بدل أن تكون أداة لتحقيق المصلحة العامة.

ومن منظور القانون الدستوري، فإن الحكومات تستمد مشروعيتها من الإرادة الشعبية، لكنها لا تملك الدولة، ولا تحتكر مستقبلها. فالدستور يمنحها سلطة التدبير، لا سلطة إعادة تعريف المشروع الوطني وفق اعتبارات حزبية أو انتخابية. ولهذا، فإن نجاح أي حكومة يقاس بمدى قدرتها على استكمال البناء المؤسساتي للدولة، لا بقدرتها على تسويق منجزاتها أو احتكار نسب الفضل فيها.

لقد أثبتت التجارب المقارنة أن الدول التي حققت تحولات كبرى، سواء في شرق آسيا أو شمال أوروبا أو غيرها، لم تكن رهينة للتقلبات الانتخابية، بل بنت توافقا وطنيا حول أولويات استراتيجية ظلت مستمرة رغم تعاقب الحكومات. فالسياسات التعليمية، والأمن الغذائي، والتحول الصناعي، والاستثمار في الرأسمال البشري، لم تكن مشاريع أحزاب، بل مشاريع دول.

وهنا يكمن الفرق الجوهري بين الدولة-المشروع و الدولة-المناسبة. فالأولى تنظر إلى الزمن باعتباره رأسمالا استراتيجيا، وتتعامل مع كل حكومة باعتبارها حلقة في مسلسل البناء، أما الثانية، فتتعامل مع كل ولاية حكومية كما لو أنها بداية التاريخ ونهايته، فتضيع سنوات في إعادة تقديم المشاريع، أو في هدم ما أنجزه السابقون، أو في إخضاع القرار العمومي لحسابات الاستحقاقات المقبلة.

وفي علم السياسات العامة، يعد مبدأ استمرارية السياسة العمومية أحد أهم مؤشرات نضج الدولة. فالمواطن لا يعنيه اسم الحزب الذي أنجز الطريق أو المدرسة أو المستشفى، بقدر ما يعنيه أن تظل تلك المشاريع تؤدي وظيفتها، وأن تستمر الدولة في تطويرها، بغض النظر عن تغير الأغلبية أو المعارضة.

كما أن الدبلوماسية الحديثة تقدم الدرس نفسه. فالدول التي تتمتع بمصداقية دولية ليست تلك التي تغير مواقفها مع كل انتخابات، بل تلك التي تحافظ على ثبات رؤيتها الاستراتيجية، لأن الشركاء الدوليين يثقون في استقرار الدولة أكثر مما يثقون في استقرار الحكومات.

ومن هنا، فإن الخلط بين الدولة والحكومة، وبين المشروع الوطني والبرنامج الانتخابي، يعد من أخطر الاختلالات التي قد تصيب أي تجربة سياسية. فالحكومة مرحلة دستورية محددة بزمن، أما الدولة فهي كيان مستمر، تتجاوز عمر الحكومات والأغلبيات والأشخاص.

إن رجل الدولة لا يقيس نجاحه بعدد الولايات التي قضاها في السلطة، وإنما بقدرته على ترك مؤسسات أكثر قوة، وسياسات أكثر استدامة، ومجتمعا أكثر ثقة في المستقبل. ولذلك، فإن التفكير بمنطق الدولة يقتضي أحيانا اتخاذ قرارات قد لا تحقق مكسبا انتخابيا آنيا، لكنها تحقق مصلحة وطنية دائمة.

واليوم، ونحن نعيش تحولات إقليمية ودولية متسارعة، لم يعد السؤال الحقيقي هو: من سيفوز بالانتخابات المقبلة؟ بل أصبح السؤال الأهم: هل نمتلك جميعا، حكومة ومعارضة ونخبا، رؤية تجعل الدولة أكبر من الحسابات الانتخابية؟

فالتاريخ السياسي يعلمنا أن الانتخابات تصنع الحكومات، لكن الرؤية هي التي تصنع الدول. والفرق بين الدول التي تصعد، والدول التي تدور في المكان نفسه، هو أن الأولى تفكر بمنطق الأجيال، بينما تظل الثانية أسيرة منطق الولايات الانتخابية. فالدولة ليست موسما سياسيا ينتهي بإعلان النتائج، بل مشروع وطني لا ينتهي إلا بانتهاء إرادة البناء.