المغاربة لا يريدون المعجزات… فقط أن يعيشوا بكرامة
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي
المغربي بطبعه إنسان صبور. يتحمل الأزمات، ويتجاوز الصعوبات، ويواجه قساوة الحياة بكثير من الصمت والقوة. لم يكن يوما شعبا يطلب المستحيل، ولا شعبًا مدللا ينتظر الرفاهية السريعة، بل كان دائما يكتفي بالقليل إذا شعر أن كرامته محفوظة، وأن مستقبله يسير في اتجاه أفضل.
لكن ما يعيشه جزء كبير من المغاربة اليوم لم يعد مجرد ضغط اقتصادي عابر، بل تحول إلى شعور يومي بالقلق والتعب وفقدان الأمل. فالمواطن الذي يستيقظ كل صباح وهو يفكر في الأسعار، وفي مصاريف البيت، وفي مستقبل أبنائه، لم يعد يبحث عن المعجزات، بل فقط عن حياة عادية تحفظ له كرامته.
المغاربة لا يطلبون الكثير. لا يريدون فيلات ولا امتيازات، بل يريدون شغلا يضمن العيش الكريم، ومدرسة عمومية محترمة، ومستشفى يحفظ إنسانيتهم، وإدارة تعاملهم كمواطنين لا كأرقام أو ملفات. يريدون فقط أن يشعروا أن هذا الوطن يتسع لأحلامهم الصغيرة والبسيطة.
لكن الواقع اليوم يقول شيئا آخر. غلاء يلتهم القدرة الشرائية، بطالة تضرب الشباب، ضغط نفسي داخل الأسر، وتراجع مستمر للإحساس بالأمان الاجتماعي. حتى الطبقة المتوسطة، التي كانت دائمًا صمام أمان المجتمع، بدأت تشعر أنها تنزلق تدريجيًا نحو الهشاشة.
وفي المقابل، يستمر الخطاب الرسمي في الحديث عن الإنجازات والمؤشرات والأرقام، وكأن المواطن يعيش واقعا مختلفا تماما. والحقيقة أن الناس لم يعودوا يقيسون نجاح الحكومات بما يقال في الندوات أو التقارير، بل بما يعيشونه يوميا داخل الأسواق والمنازل والشوارع.
فالمواطن الذي يعجز عن تغطية مصاريفه الأساسية، أو الذي يخاف من المرض لأنه لا يملك ثمن العلاج، أو الذي يرى أبناءه يحملون الشهادات دون أفق، لا يمكن إقناعه بسهولة بأن الأمور بخير فقط لأن الأرقام تقول ذلك.
إن الشعوب قد تتحمل الفقر أحيانا، لكنها لا تتحمل الإحساس بالحكرة وفقدان الكرامة. لأن أخطر ما يمكن أن يشعر به المواطن هو أنه متروك وحده في مواجهة الحياة، دون أمل حقيقي في التغيير أو الإنصاف.
لقد أصبح المغاربة اليوم يبحثون قبل كل شيء عن الإحساس بالاحترام والإنصاف والطمأنينة. يريدون أن يشعروا أن المسؤول يفهم معاناتهم، وأن السياسات العمومية تبنى من أجل تحسين حياتهم، لا فقط من أجل تزيين الخطابات بالأرقام.
والمؤلم أن كثيرا من الشباب لم يعودوا يحلمون بالنجاح داخل وطنهم، بل أصبح أقصى طموح بعضهم هو الهروب من الضغط والبحث عن فرصة للعيش بكرامة في مكان آخر. وهذه ليست فقط أزمة اقتصادية، بل أزمة ثقة وأمل أيضا.
إن بناء الأوطان لا يبدأ فقط بالمشاريع الكبرى والبنيات التحتية، بل يبدأ أولا بحماية كرامة المواطن. لأن التنمية الحقيقية ليست ما يظهر في الصور والتقارير، بل ما يشعر به الإنسان البسيط حين يعود إلى بيته مطمئنا على يومه ومستقبل أسرته.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يطرحه المغاربة بصمت كل يوم: لماذا أصبح العيش بكرامة يبدو وكأنه حلم كبير، بينما هو أبسط حق يمكن أن يطلبه المواطن داخل وطنه؟