بعد رد محمد اوزين… معركة الكلمة قبل معركة الاشخاص
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
لم يكن رد محمد اوزين مجرد جواب على انتقادات وجهت اليه، كما حاول البعض تصويره، بل كان مناسبة لفتح نقاش أعمق حول واقع النقاش العمومي في المغرب، وحول الدور الذي يفترض ان يقوم به الاعلام في بناء الوعي، لا في صناعة الضجيج.
شخصيا، اعلن انحيازي الواضح لكل صوت يدافع عن قيمة الكلمة وعن احترام عقول المغاربة. ولذلك وجدت في رد محمد اوزين رسالة تتجاوز الاشخاص، لتلامس ظاهرة اخذت تتوسع خلال السنوات الاخيرة، وهي ظاهرة تحويل الاعلام من فضاء للنقاش الرصين الى ساحة للمزايدات والعناوين المثيرة التي تبحث عن الانتشار اكثر مما تبحث عن الحقيقة.
ليس المطلوب من الاعلام ان يجامل السياسيين، بل على العكس، من واجبه ان يراقب وينتقد ويكشف الاختلالات. لكن هناك فرق كبير بين النقد المهني الذي يستند الى الوقائع، وبين تحويل الخلافات الى عروض يومية هدفها جذب المشاهدات وصناعة الجدل. فحين تصبح الاثارة غاية في حد ذاتها، يخسر المواطن حقه في اعلام مسؤول، ويخسر النقاش العمومي قيمته.
لقد قرأت رد محمد اوزين باعتباره موقفا من هذا الواقع، لا مجرد رد على شخص بعينه. فهو يدعو، في جوهره، الى ان يكون الاختلاف قائما على الحجة، وان يكون النقاش مبنيا على الوقائع، لا على الشخصنة. وهذه رسالة تستحق التوقف عندها، سواء اتفقنا مع اوزين في كل مواقفه او اختلفنا معه.
المغرب اليوم بحاجة الى اعلام قوي، لكن القوة لا تعني ارتفاع الصوت، بل تعني قوة المعلومة، ودقة التحليل، واحترام اخلاقيات المهنة. والاعلام الذي يراهن على الاثارة وحدها قد يحقق نسب مشاهدة، لكنه لن ينجح في بناء الثقة، لان الثقة لا تشترى بالعناوين الصاخبة، بل تكتسب بالمصداقية.
ان المعركة الحقيقية ليست بين سياسي واعلامي، ولا بين شخص واخر، بل بين ثقافة ترى في الكلمة مسؤولية، وثقافة ترى فيها مجرد وسيلة لتحقيق الانتشار. ومن هذا المنطلق، ارى ان رد محمد اوزين لم يكن دفاعا عن نفسه فقط، بل دفاعا عن فكرة مفادها ان النقاش السياسي يجب ان يبقى في مستوى يليق بالمغاربة وبالمؤسسات.
قد يختلف الناس حول اداء محمد اوزين، وهذا حق مشروع، لكن من حقنا ايضا ان نرفض ان يتحول النقد الى اسلوب دائم يقوم على الاثارة والشخصنة. فالديمقراطية لا تقوى بالضجيج، بل بالحوار، ولا تزدهر بالتخوين، بل بالاحتكام الى الوقائع.
ولعل اهم درس يمكن استخلاصه من هذا السجال هو ان الرأي العام المغربي اصبح اكثر وعيا من اي وقت مضى. فهو يميز بين النقد المسؤول وبين الخطاب الذي يقوم على الاستفزاز، ويعرف ان كثرة الضجيج لا تعني بالضرورة قوة الحجة.
لهذا اقول بوضوح: اذا كانت معركة محمد اوزين اليوم هي الدعوة الى نقاش اكثر مسؤولية، واعلام يحترم عقل المواطن، فانها معركة تستحق الدعم، لأنها في النهاية ليست معركة شخص، بل معركة فكرة، ومعركة الدفاع عن مستوى النقاش العمومي في وطن يستحق اعلاما يرقى الى طموحات مواطنيه، ويضع الحقيقة فوق الاثارة، والمهنية فوق الضجيج.