بين أرقام الاقتصاد… وانتظارات المواطن
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
قدم والي بنك المغرب تقريره السنوي أمام جلالة الملك محمد السادس، واضعا بين يديه صورة شاملة عن وضعية الاقتصاد الوطني، بما تحمله من مؤشرات إيجابية وتحديات قائمة. فقد تحدث التقرير عن تحقيق نسبة نمو مهمة، واستقرار التضخم في مستويات منخفضة، واستمرار الدينامية الاستثمارية، وهي كلها مؤشرات تعكس قدرة الاقتصاد المغربي على الصمود في سياق دولي وإقليمي معقد.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه، بعيدا عن لغة الأرقام والمؤشرات، هو: هل يشعر المواطن فعلا بهذه التحولات؟
فالمواطن البسيط لا يقيس نجاح الاقتصاد بنسبة النمو، ولا بمعدل التضخم، ولا بأسعار الفائدة، بل يقيسه بقدرته على إيجاد فرصة شغل، وبما يتبقى من دخله في نهاية الشهر، وبجودة المدرسة التي يدرس فيها أبناؤه، والمستشفى الذي يلجأ إليه عند الحاجة، والإدارة التي تقدم له خدمة تحفظ كرامته.
وهنا تكمن المفارقة. فقد تكون المؤشرات الاقتصادية مطمئنة، لكن إذا لم تنعكس على الحياة اليومية للمواطن، فإنها تبقى بالنسبة إليه مجرد أرقام لا تغير واقعه. فالنمو الاقتصادي يكتسب قيمته عندما يخلق فرص الشغل، واستقرار الأسعار يصبح ذا معنى عندما يحافظ على القدرة الشرائية، والاستثمار يحقق غايته عندما يفتح آفاقا جديدة أمام الشباب.
ولعل ما يميز التقرير أنه لم يكتف بعرض المؤشرات الإيجابية، بل أشار أيضا إلى استمرار تحديات كبرى، في مقدمتها البطالة والفوارق الاجتماعية والمجالية، وهو ما يؤكد أن المغرب حقق مكاسب مهمة، لكنه لا يزال أمام أوراش تحتاج إلى مزيد من الإصلاح والنجاعة.
إن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على تحقيق التوازنات الاقتصادية، بل أيضا بقدرتها على تحويل تلك التوازنات إلى أثر ملموس يشعر به المواطن في تفاصيل حياته اليومية. فحين تتحسن الأرقام دون أن تتحسن حياة الناس، يبقى الإحساس بالفجوة قائما بين ما يقال في التقارير وما يعيشه المواطن على أرض الواقع.
إن المرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى المحافظة على المؤشرات الإيجابية، بل إلى جعلها تنعكس بشكل مباشر على التشغيل، والدخل، وجودة الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق بين المجالات. فهذه هي اللغة التي يفهمها المواطن، وهي المعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة اقتصادية.
وفي النهاية، تبقى التقارير الاقتصادية ضرورية لرسم صورة دقيقة عن واقع البلاد، لكن النجاح الحقيقي لا يكتمل عندما تتحسن المؤشرات فقط، بل عندما يشعر المواطن، في بيته وعمله وشارعه، أن تلك الأرقام أصبحت واقعا يعيشه، لا مجرد بيانات يقرأها.