بين السياسة وصناعة الدولة… فرق كبير

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

في عالم السياسة، يختلط على كثيرين الفرق بين من يمارس السياسة، ومن يصنع الدولة. فليس كل من اعتلى منصة، أو فاز في انتخابات، أو تقلد منصبا، يصبح بالضرورة رجل دولة. لأن السياسة قد تكون وسيلة، أما صناعة الدولة فهي رسالة، والفرق بينهما هو الفرق بين من يفكر في الحاضر، ومن يبني للمستقبل.

لقد أصبح المشهد السياسي، في كثير من الأحيان، منحصرا في المنافسة على المواقع، وتبادل الاتهامات، وحسابات الربح والخسارة، حتى كاد البعض ينسى أن الغاية من السياسة ليست الوصول إلى السلطة، بل خدمة الوطن من خلالها.

فالسياسي قد ينشغل بالانتخابات المقبلة، أما رجل الدولة فينشغل بالأجيال المقبلة. السياسي قد يبحث عن الشعبية، بينما يبحث رجل الدولة عن المصلحة العامة، حتى وإن كانت بعض قراراته لا تحقق له مكاسب آنية. والسياسي قد يقيس نجاحه بعدد المقاعد التي حصل عليها، أما رجل الدولة فيقيس نجاحه بما تركه من أثر في مؤسسات بلده وفي حياة مواطنيه.

إن بناء الدول لا يتحقق بالخطب الرنانة، ولا بالشعارات التي ترفع في المناسبات، وإنما يتحقق بالرؤية، وبالقدرة على اتخاذ القرار، وبالإيمان بأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأسمى من الحسابات الضيقة.

ولهذا، فإن التاريخ لا يتذكر كل السياسيين، لكنه يحتفظ بأسماء رجال الدولة. أولئك الذين اختلف معهم الناس في بعض المواقف، لكنهم اتفقوا بعد سنوات على أنهم كانوا يعملون من أجل أوطانهم، لا من أجل أنفسهم.

ورجل الدولة لا يعرف في قاموسه الخصومة الدائمة، ولا يجعل من الاختلاف مع الآخرين معركة شخصية. إنه يدرك أن المؤسسات أقوى من الأفراد، وأن استقرار الأوطان يقوم على الحوار، واحترام القانون، والقدرة على تقديم المصلحة الوطنية على كل اعتبار آخر.

ولعل ما تحتاجه بلادنا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو هذا النموذج من الرجال والنساء الذين ينظرون إلى المسؤولية باعتبارها أمانة، لا غنيمة، وإلى المنصب باعتباره تكليفا، لا امتيازا. مسؤولون يختلفون في الأفكار، لكنهم يجتمعون على حب الوطن، ويتنافسون في خدمة المواطن، لا في صناعة الأزمات.

لقد علمتنا التجارب أن الدول لا تنهض بكثرة السياسيين، وإنما تنهض بكثرة رجال الدولة. أولئك الذين يعملون بصمت، ويتركون الإنجازات تتحدث عنهم، ويؤمنون بأن أعظم انتصار ليس الفوز في معركة سياسية، بل النجاح في بناء مؤسسة قوية، أو إصلاح قطاع، أو منح المواطن أملا في المستقبل.

واليوم، ونحن نعيش تحولات كبيرة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، أصبح من الضروري أن يرتفع مستوى النقاش العمومي. فالمغاربة لم يعودوا يبحثون فقط عن خطابات جميلة، بل عن كفاءات قادرة على التدبير، وعن مسؤولين يمتلكون الشجاعة لاتخاذ القرار، والحكمة في إدارة الاختلاف، والنزاهة في تحمل المسؤولية.

إن الوطن لا يحتاج إلى من يكسب كل المعارك السياسية، بقدر ما يحتاج إلى من يربح معركة التنمية، والتعليم، والصحة، والاستثمار، والعدالة الاجتماعية. فهذه هي المعارك التي تصنع مستقبل الأمم، وهي التي سيحكم بها التاريخ على كل من تحمل المسؤولية.

وفي النهاية، قد يكون من السهل أن تصبح سياسيا، لكن من الصعب أن تصبح رجل دولة. لأن السياسة قد تمنحك منصبا، أما خدمة الوطن فهي التي تمنحك مكانة في ذاكرة الأجيال.

فبين السياسة وصناعة الدولة… فرق كبير، وبين السياسي ورجل الدولة… مسافة لا يختصرها المنصب، بل تختصرها المواقف والإنجازات.