جنوب إفريقيا تعيد تسمية المدن والمعالم.. بين رد الاعتبار للتاريخ واعتبارات النجاعة

0

بمرور شهر تقريبا على انطلاق المظاهرات الأسبوعية المناهضة للهجرة غير النظامية في جنوب إفريقيا، استعر الجدل مجددا على مواقع التواصل الاجتماعي حول إعادة تسمية المعالم والبلدات والمدن، في بلد يحاول جاهدا أن يوفق بين إنصاف التاريخ ورهان الفعالية.

وبالنظر لثقل هذا التاريخ، لا تبدو هذه العملية مجرد إجراء إداري يروم تحديث الخرائط، بل أضحت تمثل مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية في 4 نونبر المقبل، إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهدين الثقافي والسياسي، حيث تتقاطع رهانات العدالة المجالية والتنمية الاقتصادية، مع محددات الهوية واعتبارات التماسك الاجتماعي.

فمنذ اعتماد قانون المجلس الجنوب إفريقي للأسماء الجغرافية سنة 1998، انخرطت البلاد في مسار واسع لإعادة النظر في أسماء ورثت غالبيتها عن الحقبتين الاستعمارية والعنصرية، في إطار مشروع يرمي إلى إعادة الاعتبار للغات والثقافات الإفريقية التي همشت لعقود مديدة.

وتفيد معطيات رسمية بتعديل أزيد من 1500 اسم جغرافي منذ دخول هذا القانون حيز التنفيذ، فيما تتواصل دراسة عشرات الملفات الجديدة، كان آخرها مصادقة برلمان إقليم مبومالانغا (شرق) نهاية العام الماضي على مقترح إعادة تسمية منتزه كروغر الوطني، بدعم من المؤتمر الوطني الإفريقي (الحزب الحاكم منذ نهاية الأبارتيد في 1994) وحزب أومخونتو وي سيزوي (رمح الأمة، معارض).

وكانت هذه المحمية الطبيعية الشاسعة، التي عرفت في السابق باسم محمية “سابي” للصيد، قد أعيدت تسميتها سنة 1926 تكريما لـ”بول كروغر”، الذي شغل أواخر القرن التاسع عشر منصب رئيس جمهورية جنوب إفريقيا، الدولة التي كانت تضم جزءا كبيرا مما يشكل اليوم شرق جنوب إفريقيا.

وأثناء عرض مقترح إعادة تسمية المنتزه، تزامنا مع احتفالات البلاد بشهر التراث، تساءل رولاني كهيبي، ممثل حزب “المناضلون من أجل الحرية الاقتصادية” (أقصى اليسار) “كيف نحتفل بتراثنا كجنوب إفريقيين فيما لا تزال حدائقنا الوطنية الجميلة تحمل اسم بول كروغر، مهندس نظام الفصل العنصري؟”.

ولئن كان غالبية الجنوب إفريقيين ينظرون إلى كروغر كرمز من الماضي العنصري للبلاد، إذ يحملونه مسؤولية المساهمة في تهجير الأفارقة السود من أراضيهم، فإنه يعد بنظر الأفريكانيين، وهم أحفاد المستوطنين الأوروبيين الذين استقروا في البلاد خلال القرن السابع عشر، بطلا قوميا قاد المقاومة ضد الاستعمار البريطاني.

ولهذا السبب تحديدا، أدانت جماعة الضغط الأفريكاني أفريفوروم ما اعتبرته “سياسة رخيصة ودليلا على أن السعي وراء المكاسب السياسية في الإقليم بات يتغلب على اتخاذ قرارات مسؤولة ومدروسة”، متعهدة بالطعن قضائيا في أي محاولة لتغيير اسم الحديقة دون استكمال الإجراءات القانونية.

وقال مارايس دي فال، ممثل المنظمة إن “حديقة كروغر الوطنية أنشئت بفضل رؤية بول كروغر، وتجاهل مساهمته في تأسيس أهم حديقة وطنية في البلاد تصرف انتهازي وترويج صارخ للأكاذيب”.

ورغم أن القرار غير ملزم قانونيا، إلا أنه يفتح باب الاستقطاب السياسي على مصراعيه بما يحمله من جراح وندوب حاولت “لجنة الحقيقة والمصالحة” تداركها بسلسلة من التوصيات، التي دعت إلى إجراء إصلاحات رمزية تعكس التنوع اللغوي والحضاري لأغلبية السكان وتنصف لغات السكان الأصليين.

كما عمدت السلطات، درءا لتغيير الأسماء بصفة ارتجالية، إلى وضع إجراءات قانونية دقيقة تحت إشراف المجلس الجنوب إفريقي للأسماء الجغرافية، حيث تبدأ المسطرة بتقديم طلب من أفراد أو جماعات أو مؤسسات إلى الفرع الإقليمي للمجلس، ثم تجري مناقشة المقترح في إطار مشاورات عمومية، قبل أن يرفع إلى المكتب الوطني، ومن ثم يحال كتوصية إلى وزير الرياضة والفنون والثقافة لاتخاذ القرار.

وبالموازاة مع المساطر الإدارية وتعقيداتها، حذر العديد من الفاعلين والنشطاء والأكاديميين من أن اعتماد تغيير اسم معلمة مثل منتزه كروغرقد يلحق ضررا بالغا بقطاع السياحة، الذي يساهم بحوالي 9 بالمائة من الناتج الاقتصادي للبلاد.

وبهذا الخصوص، أكد الباحث في التراث الثقافي بجامعة بريتوريا يوهان برغر أن تغيير اسم المنتزه يحمل تداعيات سلبية كبيرة على صورته البصرية وسمعته كعلامة تجارية باتت لوحدها تختزل جزءا من الجاذبية السياحية لجنوب إفريقيا.

ويرى مهنيون في قطاع السياحة أن اسم كروغر تجاوز منذ عقود دلالته التاريخية ليصبح علامة سياحية عالمية، فيما يعتبر آخرون أن المحافظة على القيمة الاقتصادية للمنتزه لا تتعارض مع إبراز التاريخ والثقافات الإفريقية بوسائل أخرى، من خلال المتاحف وبرامج التوعية والمسارات الثقافية.

من جهتها، شددت أستاذة العلوم السياسية بجامعة ويتواترسراند سوزان بويزن على أن الصراع حول الرموز يعكس في جوهره استمرار التنافس حول تعريف الهوية الوطنية بعد نهاية نظام الميز العنصري، معتبرة أن قضايا الذاكرة تمثل جزءا لا يتجزأ من الصراع السياسي في مرحلة ما بعد 1994.

وهو نفس الرأي الذي عبر عنه الخبير في الشؤون السياسية والاقتصادية بجامعة ستيلينبوش بيتر أتارد مونتالتو، بقوله إن النقاش حول إعادة التسمية لا يمكن عزله عن التحولات السياسية التي تعرفها البلاد، خاصة في ظل تراجع هيمنة الحزب الحاكم، موضحا أن الملفات ذات الحمولة الرمزية غالبا ما تتحول إلى أدوات لتعبئة القواعد الانتخابية وإعادة رسم الاصطفافات السياسية.

من جانبها، تؤكد الحكومة أن إعادة تسمية المواقع لا تستهدف محو التاريخ، وإنما ترمي إلى تحقيق تمثيل أكثر عدلا وإنصافا لمختلف مكونات المجتمع الجنوب إفريقي، مشددة على أن جميع المقترحات تخضع لإجراءات تشاور قبل إقرارها بصورة نهائية.

وفي ما يحتدم الجدل حول الطوبونيميا، يواصل مواطنو جنوب إفريقيا بتعدد خلفياتهم السياسية والعرقية والثقافية الاستئناس بأسماء المعالم الجديدة، إسوة بمطار أوليفر طامبو بجوهانسبورغ، القيادي البارز في المؤتمر الوطني الإفريقي الذي عوض رئيس الوزراء الأسبق يان سموتس.

بدورها، أعارت مدينة “كينغ ويليامز تاون” اسمها لنهر كونسي، واعتمدت “غراهامزتاون” اسم ماكاندا، تكريما للمحارب والفيلسوف والزعيم الروحي الإفريقي ماكاندا كا نكسيلي، بينما احتفظت بعض المدن بأسمائها، مثل العاصمة بريتوريا وديربان، اللتين أصبحتا تابعتين على التوالي لبلديتي “تشواني” و “إثيكويني”.

وبالمقابل، أصبحت مدينة بورت إليزابيث، نسبة إلى زوجة حاكم مستعمرة الكيب الشرقي البريطاني، تعرف منذ سنة 2021 باسم نهر “غكيبيرها”، الذي لا يلقى إقبالا من الجميع لصعوبة نطقه حتى من طرف المواطنين السود، إلى درجة أن بعضهم تطوع بتقديم دروس فونيطيقية على وسائط التواصل الاجتماعي في هذا الاتجاه.

هكذا إذن، تبدو جغرافيا الذاكرة في جنوب إفريقيا ما بعد الأبارتيد أكثر من مجرد قضية أسماء، بل مرآة تعكس تحولات بلد “أمة قوس قزح” الذي ما زال يرنو إلى التوفيق بين ماضيه المثقل بالانقسامات، وطموحه إلى بناء هوية وطنية جامعة، يكون فيها التاريخ مجالا للحوار لا معتركا جديدا للصراع.