حين تقترب الانتخابات… تصبح الحكومة أكثر إنصاتا
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
هناك قرارات لا تحتاج إلى سنوات من الدراسة، ولا إلى لجان متخصصة، ولا إلى نقاشات طويلة. تحتاج فقط إلى إرادة سياسية وإلى الإنصات لما يقوله المواطن. ولعل قرار إنهاء العمل بالساعة الإضافية ابتداء من شهر شتنبر المقبل يعيد إلى الواجهة سؤالا مشروعا: لماذا لم تستجب الحكومة لهذا المطلب منذ سنوات، وهي التي كانت تعلم حجم الرفض الشعبي له؟
لقد ظل موضوع الساعة القانونية يثير جدلا واسعا منذ اعتماده، وخرجت أصوات من مختلف الفئات الاجتماعية تطالب بمراجعته، لما يخلفه من آثار على التلاميذ والأسر والموظفين ونمط الحياة اليومية. لكن الحكومة ظلت متمسكة بقرارها، معتبرة أن المصلحة الاقتصادية تقتضي الإبقاء عليه.
اليوم، وبعد اقتراب نهاية الولاية الحكومية، تغير الموقف. ولم يعد السؤال هو: هل القرار إيجابي؟ لأن العودة إلى التوقيت الطبيعي كانت مطلبا مجتمعيا مشروعا. بل السؤال الحقيقي هو: لماذا الآن؟
إذا كان القرار في صالح المواطنين، فلماذا تأخر كل هذه السنوات؟ وإذا كانت الحكومة مقتنعة اليوم بوجاهته، فلماذا لم تكن مقتنعة به عندما كان المغاربة يطالبون به منذ البداية؟
إن ما يثير الانتباه أكثر هو اختيار موعد دخول القرار حيز التنفيذ، أي قبل أيام قليلة من الاستحقاقات التشريعية المقبلة. وقد يعتبر البعض ذلك مجرد صدفة زمنية، بينما سيرى آخرون أنه قرار يحمل أيضا رسالة سياسية، ويأتي في سياق تسعى فيه الحكومة إلى إعادة بناء جسور الثقة مع الرأي العام بعد سنوات عرفت نقاشا حادا حول عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية.
ولا يقتصر الأمر على الساعة القانونية وحدها. فمن يتابع المشهد السياسي يلاحظ أن بعض المواقف والقرارات التي كانت تقدم سابقا باعتبارها غير قابلة للمراجعة، أصبحت اليوم تعرف قدرًا من المرونة. وكأن اقتراب موعد الاحتكام إلى صناديق الاقتراع يجعل صوت المواطن أكثر حضورا في حسابات الفاعل السياسي.
وفي الديمقراطيات، من الطبيعي أن تؤثر الانتخابات في أجندة الحكومات، لكن الأهم هو ألا يكون الإنصات للمواطن مرتبطا فقط بالمواعيد الانتخابية. فالثقة تبنى عندما يشعر المواطن أن صوته مسموع طوال الولاية، لا فقط في أشهرها الأخيرة.
لقد علمتنا التجارب أن الحكومات التي تنجح هي تلك التي تراجع قراراتها عندما تكتشف أنها لم تحقق الأثر المطلوب، وأن الاعتراف بالحاجة إلى التصحيح ليس ضعفا، بل دليل على النضج السياسي. أما التأخر في الاستجابة، فقد يجعل القرار الإيجابي يفقد جزءا من أثره السياسي، لأن المواطن سيتساءل دائما: لماذا انتظرتم كل هذا الوقت؟
وفي النهاية، فإن تغيير الساعة قد يريح المغاربة في حياتهم اليومية، لكن ما ينتظره المواطن أكثر من تعديل التوقيت، هو تغيير في طريقة تدبير الشأن العام، يقوم على الإنصات المبكر، والجرأة في تصحيح الاختيارات، وجعل مصلحة المواطن حاضرة في كل قرار، لا فقط عندما تقترب ساعة الانتخابات.
ففي السياسة، لا يقاس النجاح فقط بالقرارات التي تتخذ، بل أيضا بالتوقيت الذي تتخذ فيه.