حين يصبح الوطن محطة عبور… لا محطة أحلام

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

هناك لحظات في حياة الأمم لا يطلب فيها المواطن من حكومته أن تحل كل الأزمات، بل يطلب منها فقط أن تكون حاضرة. أن تتحدث، أن تتحمل مسؤوليتها، وأن تشعر الناس بأن هناك من يدير الأزمة، لا من يراقبها في صمت.

ما وقع خلال الأيام الأخيرة ليس مجرد محاولة جديدة للهجرة غير النظامية، بل جرس إنذار سياسي واجتماعي مدوٍّ. فحين تتحول قوارب الموت إلى خيار لعشرات الشباب، وتقرر أسر أن تحمل أبناءها نحو المجهول، فإننا لا نكون أمام أزمة حدود، بل أمام أزمة ثقة في السياسات العمومية، وأزمة أمل داخل الوطن.

المؤلم في هذه الفاجعة لم يكن البحر وحده، بل ذلك الصمت الذي لف المشهد. المغاربة تابعوا الأخبار من الخارج، وقرأوا الروايات القادمة من الضفة الأخرى، بينما الحكومة التي يفترض أنها مسؤولة سياسيا أمام المواطنين، اختارت الغياب. وكأن الأمر لا يعنيها، أو كأن المأساة حدثت خارج حدود الوطن.

في الأنظمة الديمقراطية، أول واجبات رئيس الحكومة في مثل هذه اللحظات أن يخاطب شعبه. ليس ليقدم الأعذار، بل ليقدم الحقيقة. وليس ليبحث عن شماعات، بل ليعلن كيف ستتحمل الحكومة مسؤوليتها، وما الذي ستفعله حتى لا يتكرر المشهد. أما الصمت، فلا يمكن أن يكون سياسة، ولا يمكن أن يكون جوابا عن أسئلة شعب فقد أبناءه في البحر.

إن رئيس الحكومة، الذي لا يتردد في الظهور كلما تعلق الأمر بالدفاع عن حصيلة حكومته، أو الحديث عن المنجزات، أو الدخول في تفاصيل السجال السياسي، كان الأولى به أن يكون أول من يقف أمام المغاربة في هذه اللحظة. فالمسؤولية السياسية لا تتجزأ؛ لا يجوز أن يكون الحضور دائما عندما تكون هناك مكاسب، والغياب عندما تكون هناك مآسٍ.

والأخطر من ذلك أن هذه الفاجعة جاءت في سياق اجتماعي يزداد تعقيدا، مع استمرار ارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وشعور فئات واسعة بأن السياسات الحكومية لم تعد تلامس واقعها اليومي. فحين يجتمع الإحباط الاجتماعي مع غياب الخطاب المسؤول، يصبح اليأس هو اللغة التي يفهمها الناس.

إن الحكومة مطالبة اليوم بأكثر من إصدار البلاغات. هي مطالبة بأن تجيب عن سؤال بسيط: لماذا أصبح عدد من الشباب يعتقد أن مستقبله يوجد خلف الأسلاك الشائكة لا داخل وطنه؟ ولماذا أصبح بعض الآباء مستعدين للمغامرة بأطفالهم في البحر؟ هذه الأسئلة لا تجيب عنها الأجهزة الأمنية، ولا البلاغات الإدارية، بل تجيب عنها السياسات العمومية الناجحة.

لقد منح الدستور الحكومة صلاحيات واسعة، لكنه منحها معها مسؤولية سياسية كاملة. ومن يتحمل السلطة، يتحمل أيضا نتائج اختياراته. لذلك، فإن الاكتفاء بالصمت في لحظة بهذا الحجم لا يمكن اعتباره مجرد أسلوب في التواصل، بل هو إخلال بواجب سياسي وأخلاقي تجاه المواطنين.

اليوم، لا يحتاج المغاربة إلى من يحدثهم عن المؤشرات المجردة، لأنهم يعيشون مؤشراتهم الحقيقية في الأسواق، وفي البحث عن الشغل، وفي قوارب الهجرة، وفي نظرة شباب فقد الثقة في المستقبل. والدول لا تُقاس فقط بما تحققه من نسب نمو، بل بقدرتها على أن تجعل أبناءها يؤمنون بأن المستقبل يستحق أن يُبنى داخلها.

رحم الله الضحايا، لكن الرحمة وحدها لا تكفي. ما يحتاجه المغرب اليوم هو حكومة تواجه الحقيقة بدل أن تدير ظهرها لها، ورئيس حكومة يدرك أن المنصب ليس امتيازا إعلاميا، بل مسؤولية دستورية وأخلاقية. لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة ليس أن يفقد شبابها حياتهم في البحر، بل أن يفقدوا، قبل ذلك، ثقتهم في من يدير شؤونهم.