حين يضعف الإحساس بالإنصاف… يتراجع الأمل: هل ما زالت الفرص متكافئة؟
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
لم يعد السؤال الذي يشغل بال كثير من المغاربة اليوم هو فقط: “أين الفرص؟”، بل أصبح أكثر عمقا وإحراجا: “هل الفرص متكافئة فعلا؟”. هذا التحول في طبيعة التساؤل يعكس تغيرا في المزاج العام، حيث لم يعد الطموح وحده كافيا، بل أصبح الإحساس بالعدل شرطا أساسيا للاستمرار في الحلم.
في مجتمعات كثيرة، يشكل الإحساس بالإنصاف قاعدة للاستقرار، لأنه يمنح الأفراد الثقة في أن مجهودهم لن يضيع سدى. أما حين يتراجع هذا الإحساس، فإن أول ما يتأثر هو الأمل. فالشاب الذي يدرس ويجتهد، ثم لا يرى انعكاس ذلك في فرص حقيقية، يبدأ تدريجيا في مراجعة قناعاته، ليس فقط حول مستقبله، بل حول قواعد اللعبة برمتها.
المشكلة لا تكمن فقط في قلة الفرص، بل في الطريقة التي توزع بها. حين يعتقد جزء من المجتمع أن الوصول إلى بعض المواقع لا يعتمد دائما على الكفاءة، بل على عوامل أخرى غير واضحة، يتولد شعور عام بعدم التوازن. هذا الشعور، حتى وإن لم يكن دائما مبنيا على معطيات دقيقة، يبقى مؤثرا لأنه مرتبط بالإدراك، لا فقط بالواقع.
وفي هذا السياق، تتقاطع عدة عوامل: سوق شغل محدود، ضغط اجتماعي متزايد، وتباين في الفرص بين الفئات والمجالات. كلها عناصر تساهم في تغذية هذا الإحساس، وتجعل من النجاح يبدو أحيانا استثناء، لا نتيجة طبيعية للمجهود.
الأخطر من ذلك، أن ضعف الإحساس بالإنصاف لا يتوقف عند حدود الفرد، بل يمتد ليؤثر على المجتمع ككل. فحين يفقد الناس الثقة في قواعد التنافس، تتراجع روح المبادرة، ويصبح الإحباط بديلا عن الطموح. وهنا، لا يكون الخطر فقط اقتصاديا، بل اجتماعيا ونفسيا أيضا.
ولا يمكن فصل هذا الوضع عن طبيعة السياسات والاختيارات التي تؤطر توزيع الفرص، سواء في التعليم أو التشغيل أو الولوج إلى الخدمات. فكلما كانت هذه السياسات واضحة، عادلة، وقابلة للفهم، كلما تعزز الإحساس بالإنصاف. والعكس صحيح.
إن استعادة هذا الإحساس لا تتطلب فقط إصلاحات تقنية، بل أيضا بناء ثقة قائمة على الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعطاء المثال في تكافؤ الفرص. لأن العدالة، في نهاية المطاف، لا تُقاس فقط بما يعلن، بل بما يمارس.
في النهاية، قد تختلف التقييمات حول واقع الفرص في المغرب، لكن الأكيد أن الإحساس بها يظل عاملا حاسما. فحين يشعر المواطن أن له نفس الحظوظ، يستمر في المحاولة. أما حين يفقد هذا الإحساس، فإن أول ما يتراجع ليس فقط الأمل… بل الانتماء أيضا.
فهل نعيد بناء الثقة في عدالة الفرص؟ أم نترك الإحساس باللا إنصاف يتوسع بصمت؟