خطاب العرش… حين تتحول الرؤية الملكية إلى عقيدة للدولة
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
في الأنظمة السياسية، هناك خطابات ترتبط بظرفية معينة، وتنتهي بانتهاء سياقها، وهناك خطابات تؤسس لمسارات، وترسم معالم مرحلة، وتتحول إلى وثائق مرجعية لفهم توجه الدولة واختياراتها الكبرى. ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة خطاب العرش الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى الشعب المغربي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربعه على عرش أسلافه المنعمين باعتباره خطابا احتفاليا أو مناسبة بروتوكولية، بل باعتباره خطابا سياديا بامتياز، يحمل رؤية استراتيجية لمغرب يتشكل بهدوء، ويعيد تموقعه إقليميا وقاريا ودوليا.
فالمتأمل في مضامين الخطاب يلاحظ أن جلالة الملك لم يختر لغة الأرقام من باب التباهي، ولم يستحضر المنجزات بمنطق الحصيلة السياسية الضيقة، وإنما قدم قراءة متكاملة لمسار دولة تؤمن بالتراكم، وترفض منطق القطيعة، وتعتبر أن بناء الأمم لا يقاس بإيقاع الولايات الحكومية، وإنما باستمرارية الرؤية وثبات الاختيارات الكبرى.
ولعل الرسالة السياسية الأكثر عمقا في هذا الخطاب، والتي تستحق التوقف عندها، هي تأكيد جلالة الملك أن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي حققها المغرب “تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا.” وهي رسالة دستورية وسياسية في آن واحد، تعيد التذكير بأن الدولة ليست رهينة لتغير الأغلبية أو المعارضة، وإنما كيان مؤسساتي يستمر بمنطق الدولة، لا بمنطق الحكومات.
ومن زاوية العلوم السياسية، فإن هذا المعطى يعكس إحدى أهم خصائص الدولة الحديثة، وهي استمرارية السياسات العمومية الاستراتيجية، حيث تتغير الحكومات باعتبارها آليات للتدبير، بينما تبقى الدولة وفية لمشاريعها الكبرى، لأنها تعبر عن الإرادة العليا للأمة. وهذا ما يفسر استمرار الأوراش الملكية الكبرى، من تعميم الحماية الاجتماعية، إلى الانتقال الطاقي، وتطوير الصناعة الوطنية، وتعزيز السيادة الغذائية والدوائية، وصولا إلى مشروع الهيدروجين الأخضر، باعتبارها خيارات تتجاوز الحسابات الانتخابية إلى منطق الأمن الاستراتيجي للدولة.
لقد حمل الخطاب مؤشرات اقتصادية دقيقة؛ نمو يناهز 4.9 في المائة، وريادة إفريقية في صناعة السيارات، وتقدم نوعي في صناعات الطيران، وانخراط فعلي في الصناعات المرتبطة بالتحول الطاقي، واستقبال ما يقارب عشرين مليون سائح، وهي أرقام تؤكد أن المغرب لم يعد يعتمد على قطاع واحد، بل يسير نحو بناء اقتصاد متنوع وأكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات الدولية. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الأرقام لا تكمن في بعدها الإحصائي، وإنما في دلالتها السياسية، لأنها تعكس انتقال المغرب من اقتصاد قائم على تدبير الإكراهات إلى اقتصاد يسعى إلى صناعة الفرص، ومن منطق التبعية إلى منطق بناء السيادة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، يكتسب حديث جلالة الملك عن الأمن والاستقرار بعدا استراتيجيا يتجاوز المفهوم التقليدي للأمن. فالاستقرار الذي أشار إليه ليس مجرد غياب للاضطرابات، بل هو رأسمال سياسي ومؤسساتي يجعل من المغرب فضاء جاذبا للاستثمار، وشريكا موثوقا في محيط دولي يتسم بالتقلب وعدم اليقين. ومن منظور العلاقات الدولية، فإن الدول التي تنجح في ترسيخ استقرارها الداخلي هي الأكثر قدرة على بناء نفوذها الخارجي، وهو ما يفسر المكانة التي باتت تحتلها المملكة في إفريقيا، وفي فضائها الأورومتوسطي، وفي علاقاتها مع القوى الدولية.
كما أن الخطاب لم يغفل البعد الاجتماعي، حين أكد على مواصلة برامج التنمية البشرية، وتعميم الحماية الاجتماعية، والتنمية الترابية المندمجة. وهي إشارة تؤكد أن النمو الاقتصادي، مهما بلغت أهميته، لا يكتمل إلا إذا تحول إلى عدالة مجالية، وإلى تحسين ملموس في جودة حياة المواطن. فنجاح الدولة لا يقاس فقط بما تحققه من مؤشرات كلية، وإنما أيضا بقدرتها على تحويل تلك المؤشرات إلى أثر اجتماعي يشعر به المواطن في المدرسة، والمستشفى، وسوق الشغل، والخدمات العمومية.
ومن الناحية الدبلوماسية، عكس الخطاب ثقة متزايدة في تموقع المغرب على الساحة الدولية. فالمملكة لم تعد تقدم نفسها باعتبارها مجرد شريك، بل كفاعل إقليمي ودولي قادر على اقتراح المبادرات، وصياغة الشراكات، والمساهمة في معالجة القضايا الكبرى. وهذه ليست لغة دبلوماسية تقليدية، بل تعبير عن تحول في مكانة الدولة المغربية، التي أصبحت تستند إلى قوة داخلية متنامية، وإلى رؤية استراتيجية جعلت من تنويع الشراكات خيارا ثابتا، بعيدا عن منطق الارتهان لمحور واحد أو شريك واحد.
ويبقى أن الرسالة الأبرز في خطاب العرش هي أن المستقبل لا يبنى بالشعارات، وإنما بالمؤسسات، وبالعمل المتواصل، وبالإيمان بأن التنمية مشروع تراكمي لا يتحقق في سنة أو ولاية حكومية. ولذلك، فإن دعوة جلالة الملك إلى إطلاق دورة جديدة بعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة لا تعني تغيير الوجهة، بل تعني تسريع وتيرة الإنجاز، وتحصين المكتسبات، وتعزيز الحكامة، حتى تظل الدولة وفية لرؤيتها الاستراتيجية.
وفي تقديري، فإن خطاب العرش لهذه السنة يمكن اعتباره وثيقة سياسية تؤرخ لانتقال المغرب من مرحلة بناء الأوراش الكبرى إلى مرحلة تعظيم أثرها الاقتصادي والاجتماعي، ومن منطق الإنجاز إلى منطق تثمين الإنجاز. وهي رسالة موجهة إلى جميع الفاعلين، مفادها أن الدولة حددت وجهتها بوضوح، وأن الرهان لم يعد حول اختيار الطريق، بل حول جودة السير فيه، وسرعة التنفيذ، وحسن التدبير.
وفي النهاية، لا تكمن أهمية خطاب العرش في كونه يقدم حصيلة لما تحقق فقط، بل في كونه يجدد التأكيد على فلسفة الدولة المغربية القائمة على الاستمرارية، والتراكم، والاستباق، وربط التنمية بالاستقرار والسيادة. وهي فلسفة جعلت من المغرب، على امتداد سبعة وعشرين عاما من حكم جلالة الملك محمد السادس، دولة تتحرك بمنطق الرؤية، لا بردود الأفعال، وبمنطق بناء المستقبل، لا الاكتفاء بإدارة الحاضر. وهذا، في تقديري، هو جوهر الرسالة السياسية التي حملها خطاب العرش لهذه السنة.