رقام مطمئنة… وواقع مقلق: لماذا لا يشعر المواطن بتحسن الاقتصاد؟
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
في الوقت الذي تتحدث فيه التقارير والمؤشرات عن تحسن نسبي في الأداء الاقتصادي، يظل سؤال بسيط يتردد في الشارع المغربي: أين أثر هذا التحسن في الحياة اليومية؟ بين لغة الأرقام التي تبعث على التفاؤل، وواقع المعيشة الذي يزداد ثقلا، تتسع فجوة يصعب تجاهلها، وتطرح بإلحاح إشكالية “الإحساس الاقتصادي” لدى المواطن.
لا أحد ينكر أن الاقتصاد الوطني أظهر، في فترات معينة، مؤشرات إيجابية، سواء من حيث النمو أو الاستثمارات أو توازنات بعض القطاعات. غير أن هذه الأرقام، رغم أهميتها، تبقى بالنسبة لكثيرين مجرد معطيات مجردة، ما دامت لا تنعكس بشكل ملموس على القدرة الشرائية، ولا تخفف من وطأة تكاليف الحياة اليومية.
فالمواطن، في نهاية المطاف، لا يقيس الأداء الاقتصادي بالنسب المئوية، بل بما يدفعه في السوق، وبقدرته على تلبية حاجياته الأساسية، وبمدى استقراره المالي. ومن هذا المنظور، تبدو الصورة أقل إشراقا، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار، وتزايد الضغط على فئات واسعة، خاصة الطبقة المتوسطة، التي تجد نفسها بين مطرقة الالتزامات وسندان الدخل المحدود.
إن المفارقة بين “اقتصاد الأرقام” و”اقتصاد الواقع” ليست جديدة، لكنها تزداد وضوحا في ظل التحولات الراهنة. وهو ما يطرح تساؤلات حول سرعة انتقال أثر السياسات الاقتصادية إلى حياة المواطنين، وحول مدى نجاعة الآليات المعتمدة في تحقيق هذا الانتقال.
ولا يتعلق الأمر فقط بعوامل ظرفية، بل أيضا ببنية الاقتصاد، وطبيعة توزيع الثروة، ومدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق توازن بين متطلبات النمو وضرورات العدالة الاجتماعية. فالنمو، مهما كان قويا، يفقد جزءا من معناه إذا لم يكن شاملا، وإذا لم يلمس أثره مختلف فئات المجتمع.
في المقابل، لا يمكن إغفال الجهود المبذولة في عدد من الأوراش والإصلاحات، لكن التحدي الحقيقي يظل في جعل نتائج هذه الجهود محسوسة بشكل أسرع وأكثر وضوحا. فالثقة الاقتصادية لا تُبنى فقط بالأرقام، بل بالإحساس العام بالتحسن.
إن الرهان اليوم يتجاوز تحقيق مؤشرات إيجابية، إلى القدرة على تحويلها إلى واقع ملموس ينعكس على معيش المواطن. فحين يلتقي الخطاب الاقتصادي مع التجربة اليومية، فقط حينها يمكن الحديث عن نجاح حقيقي.
وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل السؤال قائما: كيف يمكن للاقتصاد أن يكون مطمئنا في الأرقام، ومقلقا في الواقع؟