عندما يتحدث رجل دولة عن التعليم
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي
في زمن أصبحت فيه السياسة عند البعض مجرد صراخ ومزايدات وتبادل للاتهامات، تبرز بين الفينة والأخرى مداخلات تعيد النقاش إلى مستواه الحقيقي، وتذكرنا بأن السياسة في جوهرها هي تشخيص للواقع واقتراح للحلول والدفاع عن قضايا المواطنين. ومن هذا الباب تابعت مداخلة محمد أوزين خلال جلسة مساءلة رئيس الحكومة حول التعليم، فوجدت نفسي أمام خطاب سياسي مسؤول يتجاوز الحسابات الضيقة إلى الحديث عن جوهر الأزمة التي يعيشها المغرب.
لقد كان أوزين صريحا عندما طرح سؤالا بسيطا لكنه عميق الدلالة: ما جدوى إعادة مناقشة التعليم للمرة الرابعة إذا كانت النتائج نفسها تتكرر والاختلالات نفسها تستمر؟ فالمشكل في المغرب لم يعد نقص التشخيص، لأن الجميع يعرف مكامن الخلل، بل في غياب الأثر الحقيقي لكل تلك الإصلاحات والاستراتيجيات التي استهلكت الزمن والمال دون أن تحقق التحول المنتظر.
وأعتقد أن النقطة الأكثر أهمية في مداخلته هي أنه لم يتحدث عن التعليم كقطاع معزول، بل كمرآة تعكس واقع السياسات العمومية برمتها. لأن التعليم ليس مجرد وزارة أو برنامج حكومي، بل هو المؤشر الحقيقي على نجاح أو فشل أي نموذج تنموي.
فكيف يمكن الحديث عن “المغرب الصاعد” وعن المشاريع الكبرى والاستثمارات الضخمة، بينما ما زالت المدرسة العمومية تعاني؟ وكيف يمكن الحديث عن التنمية فيما يعجز آلاف التلاميذ عن اكتساب أبسط المهارات في القراءة والرياضيات والعلوم؟ وكيف يمكن أن نطمح إلى اقتصاد المعرفة ونحن نواجه نسبا مقلقة من الهدر المدرسي؟
إن المشكلة الحقيقية ليست في قلة الأموال. والدليل ما أشار إليه أوزين بخصوص حجم الإنفاق على التعليم مقارنة بالنتائج المحققة. فالمغرب ليس من الدول التي لا تصرف على التعليم، لكنه من الدول التي ما زالت تبحث عن المردودية والجودة رغم حجم الموارد المرصودة. وهنا يطرح السؤال المؤلم: أين يضيع الخلل؟
الأخطر من ذلك أن الحكومة ما زالت تسوق الأرقام أكثر مما تسوق النتائج. والأرقام قد تبدو جميلة على الورق، لكن المواطن لا يعيش داخل الجداول الإحصائية. المواطن يريد مدرسة جيدة لأبنائه، ومستشفى يحفظ كرامته، وفرصة شغل تضمن له الاستقرار. هذه هي التنمية التي يشعر بها الناس، أما غير ذلك فيبقى مجرد مؤشرات لا تغير واقعهم.
ولعل ما أعطى لمداخلة أوزين قوتها هو ربطه بين التعليم والقدرة الشرائية والبطالة وواقع الأسر المغربية. لأن الأزمة ليست أزمة قطاع واحد، بل أزمة ثقة في السياسات التي تعد بالكثير وتحقق القليل. وقد كان موسم عيد الأضحى الأخير مثالا واضحا على الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الذي عاشه المواطنون.
لقد تحدث أوزين بلسان فئات واسعة من المغاربة الذين أصبحوا يتساءلون: أين أثر النمو الاقتصادي؟ أين أثر المشاريع الكبرى؟ أين أثر كل هذه الوعود على حياتنا اليومية؟
وهنا يظهر الفرق بين السياسي العادي ورجل الدولة. فالأول ينشغل بالدعاية والتبرير، أما الثاني فينشغل بمصارحة الناس وطرح الأسئلة الحقيقية التي تؤرق المجتمع. ورجل الدولة لا يقاس بحجم المنصب الذي يشغله، بل بقدرته على التعبير عن نبض المواطنين والدفاع عن قضاياهم داخل المؤسسات.
لهذا أعتقد أن مداخلة محمد أوزين لم تكن مجرد تعقيب برلماني عابر، بل كانت رسالة سياسية واضحة مفادها أن التنمية تبدأ من الإنسان، وأن المدرسة العمومية ليست ملفا قطاعيا، بل قضية وطنية بامتياز.
فإذا أردنا فعلا مغربًا صاعدا، فلنبدأ أولا بمدرسة صاعدة. وإذا أردنا اقتصادًا قويًا، فلنستثمر في العقل البشري قبل الاستثمار في الحجر. أما الاستمرار في تكرار الشعارات نفسها وانتظار نتائج مختلفة، فذلك لن ينتج سوى المزيد من الإحباط والأسئلة المؤجلة.
لأن التعليم، في نهاية المطاف، ليس مجرد قطاع حكومي… بل هو مستقبل وطن بأكمله.