عيد بلا مكاسب: حين يفقد الحوار الاجتماعي صوته
افتتاحية صباح العمال
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
يحل فاتح ماي، عيد العمال، كل سنة كموعد رمزي للاحتفاء بجهود الشغيلة وتقدير دورها في بناء الاقتصاد والمجتمع. لكنه، في العمق، ليس فقط مناسبة للاحتفال، بل لحظة تقييم صريحة لواقع العمل، ولمدى التزام السياسات العمومية بتحسين أوضاع من يشكلون العمود الفقري للإنتاج. غير أن هذا العيد يأتي هذه السنة في سياق مختلف، يطغى عليه شعور متزايد بخيبة الأمل.
فبين شعارات الحوار الاجتماعي التي رفعت في أكثر من مناسبة، وواقع الممارسة، تبدو الهوة واضحة. الحوار، الذي يفترض أن يكون آلية أساسية لتقريب وجهات النظر، وحل النزاعات، وتحقيق التوازن بين مختلف الفاعلين، لم يعد ينظر إليه بنفس الثقة. بل إن فئات واسعة من الشغيلة بدأت تشعر بأنه فقد الكثير من فعاليته، أو على الأقل من أثره الملموس.
ولا يمكن فصل هذا الإحساس عن حصيلة الوعود التي رافقت البرنامج الحكومي، والتي خلقت سقفا مرتفعا من الانتظارات. وعود بتحسين الأوضاع الاجتماعية، وخلق فرص الشغل، وتعزيز القدرة الشرائية… لكنها، في نظر كثيرين، لم تتحقق بالشكل الذي كان منتظرا. وهو ما عمّق الإحساس بعدم الرضا، وزاد من حدة التساؤلات حول جدوى الالتزامات المعلنة.
في المقابل، لا يمكن إنكار وجود بعض الإجراءات والمبادرات، لكن الإشكال يكمن في محدودية أثرها على الحياة اليومية للشغيلة. فالعامل لا يقيس السياسات بالنوايا، بل بنتائجها: هل تحسن دخله؟ هل تراجعت الضغوط المعيشية؟ هل أصبح يشعر بأمان مهني أكبر؟ وهي أسئلة ما زالت تبحث عن إجابات واضحة.
إن الحوار الاجتماعي ليس مجرد لقاءات أو بيانات، بل هو تعاقد ضمني قائم على الثقة. وحين تهتز هذه الثقة، يفقد الحوار جزءا كبيرا من معناه. لأن جوهره لا يكمن فقط في تبادل الآراء، بل في القدرة على تحويلها إلى قرارات ملموسة تُحس في الواقع.
عيد العمال، في هذا السياق، يتحول من لحظة احتفال إلى مناسبة للتأمل. تأمل في المسافة بين ما يُقال وما يُنجز، وبين ما ينتظر وما يتحقق. وهو ما يفرض إعادة التفكير في منهجية الاشتغال، وفي موقع الشغيلة ضمن الأولويات.
في النهاية، قد لا يكون المشكل في غياب الحوار، بل في غياب أثره. لأن الحوار الذي لا يغير الواقع، يبقى مجرد صوت بلا صدى.
فهل يكون هذا العيد بداية لمراجعة حقيقية تعيد للحوار الاجتماعي معناه ومصداقيته؟ أم سيظل مجرد محطة عابرة في مسار لم يحقق بعد ما وعد به؟