من صراع الأفكار إلى صراع الضجيج… ماذا حدث للسياسة؟
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي
كانت السياسة، في جوهرها، فضاءً للأفكار والرؤى والمشاريع المجتمعية. كان السياسي يقاس بقدرته على الإقناع، وبعمق تصوره، وبحضوره داخل المؤسسات، وبما يقدمه من حلول لقضايا المواطنين. أما اليوم، فيبدو أن جزءا من المشهد السياسي دخل مرحلة مختلفة، أصبحت فيها الإثارة والضجيج والصدام الإعلامي أحيانا أهم من النقاش الجاد والمسؤول.
المغاربة لم يعودوا يتابعون السياسة بنفس الحماس الذي كان في السابق، ليس لأنهم فقدوا الاهتمام بالشأن العام، بل لأن جزءا من الخطاب السياسي تحول إلى ما يشبه الفرجة اليومية. خرجات مثيرة، صراعات شخصية، تبادل اتهامات، لغة شعبوية، ومحاولات مستمرة لصناعة “البوز” بدل صناعة النقاش الحقيقي.
لقد أصبح بعض السياسيين يعتقدون أن رفع الصوت يعوض ضعف الفكرة، وأن إثارة الجدل تمنحهم حضورا أسرع داخل مواقع التواصل الاجتماعي. والحال أن السياسة ليست منافسة في عدد المشاهدات أو “اللايكات”، بل مسؤولية مرتبطة بمصير المواطنين وانتظاراتهم.
والمشكلة أن هذا التحول لم ينعكس فقط على صورة السياسي، بل أثر أيضا على صورة المؤسسات نفسها. لأن المواطن حين يرى النقاش السياسي ينحدر نحو الشخصنة والتراشق والضجيج، يفقد تدريجيًا ثقته في العمل السياسي ككل، ويشعر أن القضايا الحقيقية أصبحت في المرتبة الثانية.
في المقابل، تبقى البلاد في حاجة إلى نقاشات عميقة حول التعليم، والصحة، والتشغيل، والقدرة الشرائية، والسيادة الغذائية، والتحولات الرقمية، وغيرها من الملفات الكبرى التي تؤثر مباشرة على حياة المغاربة. لكن بدل ذلك، يجد الرأي العام نفسه أحيانا أمام معارك جانبية تستهلك الوقت والطاقة دون أي أثر حقيقي على الواقع.
ولا يمكن إنكار أن مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت بدورها في هذا التحول، حيث أصبح بعض السياسيين يشتغلون بمنطق “الترند” أكثر من منطق التأطير السياسي. فصار الهم عند البعض هو كيف يثير الجدل، لا كيف يقنع الناس أو يقدم حلولا عملية.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو أن السياسة حين تتحول إلى مجرد ضجيج، فإنها تفقد معناها التربوي والمؤسساتي. لأن الأجيال الجديدة التي تتابع هذا المشهد قد تبدأ في الاعتقاد أن النجاح السياسي يتحقق بالصدام والصراخ، لا بالكفاءة والتدرج والعمل الجاد.
ورغم هذا الواقع، ما زال داخل المشهد السياسي رجال ونساء يمارسون السياسة بمنطق المسؤولية والمؤسسات، بعيدا عن الإثارة المجانية. شخصيات تؤمن أن قوة السياسي ليست في صوته المرتفع، بل في قوة الفكرة والموقف والحضور.
إن الدولة لا تحتاج إلى نجوم للجدل، بل إلى رجال دولة حقيقيين، يمتلكون القدرة على الترافع عن قضايا الوطن والمواطنين داخل المؤسسات، بلغة راقية ومسؤولة. لأن بناء الثقة لا يتم بالصراخ، بل بالمصداقية والكفاءة والاحترام.
وفي النهاية، قد يصنع الضجيج شهرة مؤقتة لبعض الأشخاص، لكنه لا يصنع أثرا سياسيا حقيقيا. فالتاريخ لا يتذكر من كانوا الأعلى صوتا، بل يتذكر من امتلكوا الرؤية والقدرة على خدمة أوطانهم.
فهل تعود السياسة إلى جوهرها الحقيقي كفضاء للأفكار والنقاش المسؤول؟ أم أننا دخلنا زمنًا أصبحت فيه الإثارة أهم من الفكرة، والضجيج أقوى من المشروع السياسي؟