من مجتمع التضامن إلى مجتمع التوتر: ماذا تغير فينا؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي

كان المغرب، لسنوات طويلة، يعرف بروح التضامن التي تجمع أبناءه. في الأحياء، والقرى، والأسواق، وحتى داخل أبسط تفاصيل الحياة اليومية، كان الناس يشعرون بأنهم جزء من جماعة واحدة، يتقاسمون الأفراح كما يتقاسمون الصعوبات. لم يكن المجتمع مثاليا، لكنه كان يملك شيئًا مهمًا: الإحساس بالدفء الإنساني والانتماء الجماعي.

اليوم، يبدو أن شيئا ما تغير. ليس فقط في نمط العيش أو إيقاع الحياة، بل في طبيعة العلاقات نفسها. أصبح التوتر حاضرا بقوة، والعصبية أكثر انتشارا، والثقة بين الناس أضعف مما كانت عليه. وكأن المجتمع الذي كان يقوم على “نحن” بدأ يتحول تدريجيًا إلى مجتمع يعيش بمنطق “أنا أولا”.

هذا التحول لا يمكن اختزاله في سبب واحد، لأنه نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية ونفسية وثقافية. فالضغوط اليومية التي يعيشها المواطن، من غلاء المعيشة، وصعوبة الاستقرار، والخوف من المستقبل، جعلت كثيرا من الناس يعيشون في حالة استنزاف دائم. وحين يتعب الإنسان نفسيا، يصبح أقل صبرا وأكثر انغلاقا على ذاته.

كما أن نمط الحياة الحديث ساهم بدوره في هذا التحول. فالعلاقات أصبحت أسرع وأكثر سطحية، والناس باتوا يقضون وقتا أطول أمام الشاشات مقارنة بالجلوس مع بعضهم البعض. وحتى مواقع التواصل الاجتماعي، التي كان يفترض أن تقرب الناس، تحولت أحيانًا إلى فضاء للتوتر والصراعات والأحكام القاسية.

الأمر لا يتعلق فقط بالعلاقات بين الأفراد، بل حتى بالنقاش العمومي. أصبح الاختلاف يقابل أحيانا بالعدوانية بدل الحوار، والسخرية بدل النقاش، وكأن المجتمع كله يعيش حالة ضغط انعكست على طريقة تواصل الناس مع بعضهم البعض.

والمؤسف أن هذا التراجع في روح التضامن لا يضعف فقط العلاقات الاجتماعية، بل يضعف أيضا قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات. لأن المجتمعات القوية لا تبنى فقط بالاقتصاد أو البنية التحتية، بل أيضا بالثقة والتعاون والشعور بالمصير المشترك.

ورغم كل ذلك، ما زالت داخل المجتمع المغربي مظاهر جميلة من التضامن تظهر في لحظات كثيرة، سواء في الأزمات أو المبادرات الإنسانية أو الروابط العائلية. وهذا يعني أن روح الجماعة لم تختفِ بالكامل، لكنها أصبحت تحتاج إلى من يحميها ويعيد إليها قوتها.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس الفقر وحده، بل أن يفقد الناس إحساسهم ببعضهم البعض. لأن الإنسان يستطيع تحمل الصعوبات حين يشعر أنه ليس وحده، لكن حين يصبح كل فرد معزولا داخل همومه الخاصة، يتحول المجتمع تدريجيا إلى مجموعة أفراد يعيشون جنبا إلى جنب… دون روح مشتركة.

في النهاية، قد نحتاج اليوم إلى إعادة التفكير ليس فقط في أوضاعنا الاقتصادية، بل أيضا في الطريقة التي نعيش بها معا. لأن بناء مجتمع متوازن لا يبدأ فقط من المؤسسات والسياسات، بل أيضا من استعادة قيم التضامن والاحترام والإحساس بالآخر.

فهل ما زال بإمكاننا استرجاع روح الجماعة التي ميزت المغاربة؟ أم أننا دخلنا زمن الفردانية والتوتر الذي يبتلع كل شيء؟