هل حسم يوسف علاكوش خِلافته لنعم ميارة بشكل “شبه رسمي”؟

0

عندما يختلط المال بالعقارات باتهامات بيع المقرات النقابية، وتتداخل الخلافات السياسية بين تيارين متنافسين على قيادة حزب بأكمله، وتصبح الاحتفالات بعيد الشغل مرهونة بمعركة شرعية داخل النقابة، فإن المشهد لم يعد مجرد خلاف عابر على منصب، بل تحول إلى أزمة هيكلية تهدد تماسك إحدى أقدم المؤسسات العمالية في المغرب.تحليلات سياسية متعمقة

الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، الذراع النقابية لحزب الاستقلال، يعيش منذ أشهر حالة انقسام حاد بين تيار النعم ميارة وتيار عبد الواحد بركة، لكن ما يثير الانتباه اليوم هو تحول هذا الصراع من معركة نفوذ بين قطبين إلى مواجهة مكشوفة تتخذ أبعاداً أخلاقية وقضائية، بعد أن أقدم القيادي إدريس أبلهاض على خطوة نادرة في العمل النقابي المغربي: اتهام علني بالفساد المالي في حق قياديات سابقات وحاليات، دون سند ظاهر أو ولاية تحقيقية واضحة.استثمار في المغرب

أبلهاض بين المطرقة والسندان: اتهامات بلا سند وعزلة متنامية

في لقاء جمعه بأعضاء الكتابة الإقليمية لنقابة UGTM بفاس، خرج إدريس أبلهاض باتهامات ثقيلة الطنين، حمل فيها كلا من خديجة الزومي وسلامة العروصي مسؤولية “بيع مجموعة من عقارات النقابة”، خاصة مقر سيدي خيار وعقارات أخرى.

لكن المتأمل في توقيت هذه الاتهامات ومكانها يلاحظ أنها جاءت في سياق تنظيمي دقيق: أبلهاض الذي يواجه أصلاً عددا من المشاكل مع وجوه نقابية واستقلالية، بدا وكأنه يحاول استباق أي مساءلة محتملة له، أو توجيه الأنظار نحو ملفات قديمة تفتقر إلى الأدلة الواضحة.

واللافت أن أبلهاض لم يقدم أي وثائق أو معطيات تدعم اتهاماته، كما أنه لم يلجأ إلى آليات المراقبة الداخلية للنقابة أو القضاء، مفضلاً اللجوء إلى الخطاب المباشر والاتهام العلني، وهو أسلوب يقرأه المراقبون كعلامة على حالة اليأس التي يعيشها الرجل، الذي يجد نفسه معزولاً بشكل متزايد داخل النقابة، ويفتقد لأي حلفاء استراتيجيين في وقت يحتاج فيه إلى كل دعم ممكن.

الصحراء تقلب الموازين: دعم علني لعلاكوش
في تطور يحمل دلالات عميقة حول طبيعة التحولات داخل النقابة، أعلنت المكاتب الجهوية والاتحادات الإقليمية بكل من العيون وبوجدور وطرفاية والسمارة، في بيان مشترك، دعمها للحركة التصحيحية داخلياً، مؤكدة انخراطها الكامل في مسار إصلاحي يهدف إلى تعزيز الشفافية وترسيخ الديمقراطية النقابية. لكن الأهم من ذلك هو أن هذه الهيئات نفسها أعلنت بوضوح مساندتها ليوسف علاكوش لتولي مهام الكتابة العامة خلال المرحلة المقبلة.

ما الذي يعنيه دعم هذه الجهات الأربع تحديداً؟ إنها ليست مجرد أصوات عابرة، بل تمثل امتداداً استراتيجياً للحزب في منطقة حساسة، وتعكس قدرة علاكوش على بناء تحالفات تمتد إلى أبعد من المركز، وصولاً إلى الأقاليم الجنوبية التي تحظى بأهمية سياسية ورمزية كبرى. هذا الدعم المبكر والعلني يحمل رسالة واضحة: هناك إرادة جماعية داخل الهياكل الجهوية لتجاوز مرحلة ميارة، والرهان على قيادة جديدة تستطيع إعادة ترتيب البيت الداخلي.سياسة

لماذا علاكوش تحديدا؟ قراءة في خيارات بركة
حسب معطيات قيادية من داخل حزب الاستقلال، فإن الأمين العام نزار بركة لم يكتفِ بمنح الضوء الأخضر لعلاكوش، بل دفع باتجاه تراجع أسماء أخرى كانت مطروحة لقيادة المرحلة المقبلة، في خطوة تُقرأ على أنها توجيه صارم لتوحيد الصف وتفادي أي تنافس قد يربك الانتقال. لكن السؤال الأهم هو: لماذا يصر بركة على علاكوش تحديداً؟

الجواب يتجاوز مجرد كون علاكوش يشغل منصب الناطق الرسمي باسم النقابة أو كاتباً وطنياً للجامعة الحرة للتعليم. إنه خيار استراتيجي يقوم على ثلاث ركائز: الأولى، أن علاكوش يتمتع بتجربة نقابية معتبرة لكنه لم يتورط في الخلافات الشخصية والاتهامات المتبادلة التي شابت أداء قيادات أخرى، مما يجعله “رجل المرحلة الانتقالية” القادر على نزع فتيل الأزمات. الثانية، أن بركة يريد ضخ دماء جديدة في هياكل النقابة، وكسر احتكار جيل من القيادات الذي طالت فتراته. الثالثة، والأهم، أن علاكوش يمثل ضمانة للتناغم بين الذراعين السياسية والنقابية للحزب، في وقت تحتاج فيه أحزاب الميزان إلى خطاب اجتماعي موحد لمواجهة التحولات الاقتصادية الصعبة.تحليلات سياسية متعمقة

مؤتمر أبريل الاختبار الحقيقي
مع دعوة النعم ميارة إلى عقد مؤتمر وطني استثنائي يوم 26 أبريل 2026 بسلا، يكون قد تم تحديد موعد الحسم النهائي. جدول الأعمال واضح: تقارير أدبية ومالية، ثم انتخاب كاتب عام جديد. لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو: كيف سيتعامل أبلهاض وحلفاؤه مع هذا المؤتمر؟ هل سيواصل نهج الاتهامات العلنية، أم أن الضغوط الداخلية والخارجية ستدفعه إلى التهدئة؟

المراقبون يرون أن أبلهاض راهن على ورقة الاتهامات كوسيلة للضغط، لكن النتيجة بدت عكسية، إذ زادت هذه الاتهامات من عزلة الرجل وأضعفت موقعه التفاوضي، بينما استمر علاكوش في بناء تحالفاته بهدوء، وحظي بدعم لافت من المكاتب الجهوية والإقليمية، وكذلك بتزكية غير معلنة من قيادة الحزب.

السيناريو الأقرب للتحقق اليوم هو أن يوسف علاكوش سيكون الكاتب العام المقبل للنقابة، ليس فقط لأنه يحظى بدعم بركة، بل لأنه يمثل الخيار الوحيد القادر على استيعاب مختلف الأطراف، وإعادة ترميم ما تهدم من الثقة بين أعضاء النقابة، وفتح صفحة جديدة مع الشغيلة المغربية التي تترقب نقابة قوية وقادرة على الدفاع عن حقوقها، لا نقابة منشغلة بمعاركها الداخلية واتهاماتها المتبادلة