أوزين رجل دولة… والضجيج لا يصنع زعامة

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي

في اللحظة التي ينحدر فيها النقاش السياسي من مستوى الاختلاف في الرأي إلى مستوى الإساءة والتجريح، نكون أمام أزمة حقيقية في فهم معنى السياسة وأخلاقيات المؤسسات. لأن البرلمان لم يكن يوما فضاء للنباح أو الشتائم، بل مؤسسة دستورية يفترض أن تمارس داخلها المعارضة والرقابة والنقاش بأسلوب يليق بالدولة وهيبتها.

ما صدر عن مصطفى لخصم، رئيس جماعة إيموزار كندر والمتابع قضائيا، في حق السيد محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، لا يمكن اعتباره مجرد “خرجة إعلامية” عابرة، بل يعكس مستوى مقلقا من الانحدار في الخطاب السياسي، حين يتم وصف نائب برلماني ورجل دولة بأنه “ينبح” داخل البرلمان.

والحقيقة أن المغاربة، مهما اختلفوا سياسيا، يعرفون جيدا من هو محمد أوزين. رجل راكم تجربة سياسية طويلة، وفرض حضوره داخل الساحة الوطنية بخطاب سياسي قوي، وبمعارضة يعتبرها كثيرون من أكثر المعارضات حضورا وتأثيرا داخل البرلمان. فقد استطاع أن يحول المؤسسة التشريعية إلى فضاء حقيقي لطرح قضايا المواطنين، والترافع حول همومهم، بصوت واضح ولغة يفهمها الشارع المغربي.

لقد أعطى أوزين، خلال السنوات الأخيرة، درسا في المعارضة البناءة، تلك المعارضة التي تنتقد وتراقب وتقترح، دون السقوط في الشعبوية أو البحث عن “البوز”. وهو ما جعله يحظى بشعبية واسعة وسط فئات كثيرة من المواطنين، الذين يرون فيه صوتا لمن لا صوت له، وسياسيا يمتلك الجرأة في مواجهة الاختلالات بلغة سياسية مفهومة وقريبة من الناس.

وفي المقابل، فإن ما يثير الانتباه هو أن مصطفى لخصم، بدل أن يدافع عن حصيلته في تدبير جماعة إيموزار كندر، اختار الهروب إلى لغة المظلومية والهجوم الشخصي. والحال أن الرأي العام أصبح أكثر وعيا، ولم يعد يقتنع بسهولة بخطابات المظلومية الجاهزة أو استغلال صفة “مغاربة العالم” كدرع للهروب من النقد والمساءلة.

بل إن تجربة لخصم في التسيير والتواصل كشفت، بالنسبة لكثير من المتابعين، حجم الارتباك الذي يطبع أداءه، سواء على مستوى تدبير الجماعة أو في طريقة مخاطبة الرأي العام. فالتواصل السياسي لا يعني رفع الصوت أو إطلاق الاتهامات، بل القدرة على الإقناع وتحمل المسؤولية واحترام المؤسسات والأشخاص.

ومن الطبيعي أن يلجأ محمد أوزين إلى القضاء للرد على ما اعتبره مغالطات وإساءات، لأن السياسة، مهما اشتد فيها الخلاف، يجب أن تبقى مؤطرة بالقانون والاحترام المتبادل. فحين يغيب النقاش وتحضر الإهانة، يصبح القضاء هو الفيصل.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الحياة السياسية هو تحويل النقاش العمومي إلى حلبة للسب والشخصنة، لأن ذلك لا يسيء فقط للأشخاص، بل يسيء لصورة السياسة نفسها، ويعمق فقدان الثقة لدى المواطنين.

فالنواب يتحدثون، يناقشون، يعارضون، ويحاسبون الحكومة باسم الشعب… لكنهم لا “ينبحون”. لأن الفرق كبير بين السياسة كمسؤولية، والسياسة كاستعراض وصخب فارغ.

وفي النهاية، تبقى قيمة السياسي فيما يقدمه من أفكار ومواقف وحضور داخل المؤسسات، لا في عدد الصراعات التي يخلقها أو العبارات التي يطلقها. والتاريخ السياسي لا يصنعه الضجيج… بل تصنعه الكفاءة والرصانة والقدرة على خدمة الوطن والمواطنين.