حين يصبح الصمت لغة لا يفهمها الجميع

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

في زمن أصبحت فيه الكلمات تسبق الأفعال، والردود أسرع من التفكير، اختار كثير من الناس أن يجعلوا من الصمت موقفا. ليس لأنهم لا يملكون ما يقولونه، بل لأنهم أدركوا أن كل كلمة لها وقتها، وأن بعض المعارك لا تستحق أن تستنزف فيها الجهد والوقت.

لقد اعتدنا أن نفسر الصمت على أنه ضعف أو عجز أو تردد، بينما الحقيقة قد تكون عكس ذلك تماما. فكم من إنسان صمت لأنه كان أكبر من الدخول في جدال لا نهاية له، وكم من مسؤول فضل أن يعمل بدل أن يكثر من التبرير، وكم من حكيم أدرك أن هناك مواقف يكون فيها الصمت أبلغ من آلاف الكلمات.

فالصمت ليس دائما هروبا، بل قد يكون أعلى درجات الوعي. لأنه يمنح الإنسان فرصة ليفكر قبل أن يتكلم، ويمنعه من أن يقول كلمة قد يندم عليها، ويجعله يميز بين ما يستحق الرد وما يستحق التجاهل.

ولعل أكثر ما يحتاجه الإنسان مع مرور العمر هو أن يتعلم متى يتحدث، ومتى يصمت. فليس كل نقد يستحق جوابا، وليس كل إساءة تستحق مواجهة، وليس كل خلاف يستحق أن يتحول إلى خصومة. فهناك من ينتظر منك الرد، لا ليصل إلى الحقيقة، بل ليجرك إلى معركة لا قيمة لها.

وفي الحياة العامة أيضا، لا تقاس قوة الأشخاص ولا المؤسسات بعدد التصريحات التي يصدرونها، وإنما بقدرتهم على تحويل الكلام إلى أفعال. فالإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، لأن نتائجه تتحدث عنه. أما من يجعل همه الرد على كل شيء، فإنه يستهلك طاقته في المعارك الصغيرة، وينسى المعركة الحقيقية وهي العمل.

لكن الصمت لا يعني الاستسلام، كما لا يعني القبول بالباطل. فهناك صمت الحكمة، وهناك صمت الخوف، والفرق بينهما كبير. صمت الحكمة اختيار واع، يهدف إلى حماية الموقف حتى يحين الوقت المناسب للكلام. أما صمت الخوف، فهو تنازل عن الحق. ولذلك، فإن النضج هو أن تعرف متى يكون الكلام واجبا، ومتى يكون الصمت أكثر تأثيرا.

لقد علمتنا الحياة أن كثيرا من الحقائق لم تثبتها الكلمات، بل أثبتها الزمن. وأن كثيرا من الاتهامات سقطت وحدها دون أن يرد عليها أصحابها، لأن الأيام كانت أصدق من كل بيان، وأقوى من كل خطاب.

إن الإنسان الواثق من نفسه لا يشعر بأنه مطالب بتبرير كل خطوة، ولا بإقناع الجميع بكل قرار. فهو يعلم أن الناس سيختلفون، وأن الآراء ستتباين، وأن إرضاء الجميع غاية لا تدرك. لذلك يترك لأفعاله أن تتحدث، وللوقت أن يكشف الحقيقة.

وفي النهاية، ليس كل من رفع صوته كان أقوى، وليس كل من التزم الصمت كان أضعف. فالقوة الحقيقية ليست في كثرة الكلام، وإنما في معرفة قيمة الكلمة، وفي اختيار اللحظة المناسبة للنطق بها.

فالصمت ليس غيابا للكلام، بل حضور للحكمة. ومن عرف متى يتكلم، ومتى يصمت، امتلك واحدة من أعظم صفات النضج. لأن الكلمات قد تصنع ضجيجا، أما الصمت الحكيم… فيصنع هيبة لا تحتاج إلى تفسير.