موسم فلاحي استثنائي: هل يضع المغرب على طريق الأمن الغذائي المستدام؟

0

افتتاحية الصباح

بقلم عبد الكريم ناصري

طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

مع توالي المؤشرات الإيجابية التي يحملها الموسم الفلاحي الحالي، يبدو أن المغرب يقف على أعتاب مرحلة واعدة، عنوانها الوفرة والإنتاج القياسي، بعد سنوات طبعتها التقلبات المناخية وندرة التساقطات. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بإلحاح، ليس فقط حول حجم المحصول، بل حول قدرة هذا الانتعاش على التحول إلى مكسب استراتيجي دائم يعزز الأمن الغذائي الوطني.

الأرقام المعلنة هذه السنة تعكس بلا شك موسما استثنائيا بكل المقاييس؛ تساقطات مطرية مهمة، مخزون مائي مريح، وإنتاج قياسي في عدد من السلاسل الفلاحية، وعلى رأسها الزيتون والحوامض والتمور. وهي معطيات تعيد الثقة إلى القطاع الفلاحي، الذي يظل ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني ومصدرا رئيسيا لعيش فئات واسعة من المغاربة.

لكن، ورغم هذا التفاؤل المشروع، فإن التجارب السابقة تفرض نوعا من الحذر. فالفلاحة المغربية، بحكم ارتباطها الوثيق بالعوامل المناخية، تظل عرضة لتقلبات يصعب التحكم فيها. من هنا، تبرز أهمية الانتقال من منطق تدبير المواسم إلى منطق بناء منظومة فلاحية قادرة على الصمود والاستدامة، عبر تثمين سنوات الوفرة واستثمارها في تقوية البنيات التحتية المائية، وتحديث أساليب الإنتاج، وتعزيز سلاسل التخزين والتسويق.

وفي هذا السياق، تكتسي التوجيهات الملكية السامية أهمية بالغة، خاصة تلك المتعلقة بإعادة تشكيل القطيع الوطني، وتحسين تدبير الموارد الطبيعية، بما يعكس رؤية استراتيجية تتجاوز الحلول الظرفية نحو بناء نموذج فلاحي متوازن ومستدام. فالتنمية الفلاحية لم تعد مجرد رهينة للأمطار، بل أصبحت رهانا على الحكامة الجيدة والاستثمار الذكي في الموارد.

كما أن هذا الموسم الجيد يطرح تحديا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بكيفية تحقيق العدالة المجالية في الاستفادة من نتائجه. إذ إن الفوارق بين المناطق الفلاحية تظل قائمة، وهو ما يستدعي توجيه الاستثمارات بشكل يضمن تنمية متوازنة تشمل مختلف الجهات، خاصة المناطق الهشة.

إن اللحظة الحالية تمثل فرصة حقيقية لإعادة التفكير في موقع الفلاحة ضمن النموذج التنموي الوطني، ليس فقط كقطاع منتج، بل كرافعة للأمن الغذائي، والاستقرار الاجتماعي، والتنمية المجالية. فهل ينجح المغرب في تحويل هذا الموسم الاستثنائي إلى نقطة تحول حقيقية، أم سيظل رهين دورات من الوفرة والندرة؟

الرهان اليوم ليس في وفرة الإنتاج فقط، بل في حسن استثماره، بما يضمن استدامته ويحول التحديات إلى فرص، في أفق تحقيق سيادة غذائية تواكب طموحات المملكة وتحصنها في مواجهة الأزمات المستقبلية.